حوار تحت سقف السماء

تاريخ التسجيل
1 نوفمبر 2021
المشاركات
18
العمر
47
المجموعة
ذكر
الدفعة الدراسية
2021
الكلية
كلية الآداب
التخصص
أدب انجليزي
يقارب يومي على الانتهاء، و ما زلت أتمسك به بشدة، تستميت ساعات الغروب هذه أن تنال مني، غير أني أعيش نهارا متجددا، قد لا أكون خالدا فأنا أجرح و أنزف، إلا أن ما أنزفه تسارع هذه السطور لالتقاطه فلا يضيع مني و لا أفقده. يرتجف القلم بين أصابعي ليصنع لي حياة أخرى لا تقاس بالسنين و الأعوام. و عندما تجتمع كلماتي على سطح ما، فإن الأعاصير هي أبسط ما تصنعه و أقله تأثيرا.

- ألا تخاف من الموت؟

و من يستطيع أن يدعي ذلك؟ بالطبع ترهبني اللحظة التي أنتقل فيها من كوني سيدا من أسياد السطح إلى كومة من الأكوام تحته. غير أنه لاشيء يشعرك بالحياة قدر علمك بحتمية الموت و اقترابه. كم من الوقت يتبقى لي؟ لا علم لي، غير أنني عازم على تسجيل ذلك الوقت بدل أن أسجل انتظاري لنهاية حتمية، لم علي الإختناق و الأوكسجين وفير و لا أعلم ساعة انتهائه، فلأشعل السماء و الأرض بهذا الوقت، و لأنير الأفق ما تبقى لي من فتيل مشتعل، فإن انتهى خيط الفتيل، أنزلت حملي الزائد في حفرة أرضية و صعدت لأعانق السماء عناقا أبديا.

- و هل أنت متيقن من وجود السماء؟

بقدر تيقني من وجود الأرض بل أكثر من ذلك. أذناي حساستان، و لطالما سمعت معزوفة الكون و رقصت على نغماتها، أعلم جيدا أن الأصم غير قادر على سماعها كما أعلم أن بعض من يسمعون لا يملكون امكانية تمييز النغمات، و كم يعانون في سبيل تمييز الأوركسترا المنظمة و عالية التنظيم عن تلك الأصوات العابثة التي تبدأ و تنتهي دون أن يكون لها معنى. السماء موجودة بصور و معاني لا يمكن حتى لهذه الأرض و من عليها إدراكها و تمثلها. و ستفنى الأرض يوما ما، لكن السماء لا فناء لها.

و هل ستصل لها يوما، فتتوقف عن البحث؟

ان البحث و الإيجاد هنا لا معنى حقيقي لهما، فالأرض و السماء لا ينتميان لنفس درجة الحقيقة، ان الأرض و كل ما عليها ليست سوى حلم في قيلولة سرعان ما يستيقظ صاحبه فيتبدد، أما السماء فحقيقتها لا تتبدد صحوا أو مناما، و إيجادها ليست إمكانية فقط، بل حقيقة متعلقة بالبحث، أنت تعيش في السماء طالما أنت تبحث عنها، لا تغلق عينيك و لا تتوقف عن البحث كي لا تسقط عنها.

إذن أنت تقول أن السماء ليست سوى حلم؟

كلا، السماء حقيقة ثابتة لوحدها، صدقتها أم لم تصدقها، سعيت لها أم تجاهلت وجودها. جحودك لها لن يغير شيئا، إنما، كل ما نستطيع الوصول له نحن الفانين هو انعكاسها. فكرتنا عنها ليست سوى انعكاس حقيقتها في وجودنا. و كأنك تنظر للشمس فلا ترى منها سوى انعكاس صورتها، فما تراه ليس هو حقيقة الشمس، انما انعكاسها في جهاز البصر لديك، و تحليل عقلك لتلك الذبذبات التي يتناقلها، فلو حضرت حقيقة الشمس لديك لتبخرت حتى قبل أن تقترب منك. فما بالك بالسماء العظيمة. فهل تختفي الشمس إذا ما أغمضت عينيك؟ كلا، لكنها ستختفي من باصرتك و لا يبقى سوى صورتها في رأسك، و تأثيرها على باقي حواسك. هي موجودة سواء أدركتها أم لم تدركها.

من أين لك كل هذا اليقين؟

أوصلني له الشك، شككت في كل شيء، و أخضعت كل شيء لمجهر العقلنة، وجدت أن جميع الاحتمالات ساقطة لا محالة، احتمال واحد هو الذي كان يقف شامخا وسط كل النظريات، و هو أن للسماء أعين و أياد، و أننا نحن العمي الذين لا ندري إلى أين نسير. و أن هناك من يلبس الجهل أغلى الملابس و أكثرها زهوا ليتقبله الناس بغير حقيقته. لكن العقل، و هو الرسول الأول، بالمرصاد دائما ما دمنا نحسن استخدامه.
 
عودة
أعلى أسفل