موقع طلبة جامعة البحرين

يمكنك تصفح الموقع كزائر ولكن ندعوك لتسجيل عضوية خاصة بك لتحصل على كافة الصلاحيات مثل تنزيل ملفات المكتبة وقراءة تعليقات هيئة التدريس وغيرها. يمكنك الحصول على عضوية مجانية بالضغط على زر تسجيل. إذا قمت بالتسجيل مسبقا فيمكنك الضغط على زر دخول.

تسجيل دخول
  • قسم المكتبة الجامعية مغلق مؤقتا بعد الاستهداف التي تعرضت له بعض خدمات أمازون في البحرين، جاري استرجاع الملفات ونقلها إلى سيرفرات جديدة وسيتم بعدها اعادة افتتاح المكتبة

رواية الفضيلة تنتصر لشهيدة بنت الهدى

:. الفصل الثاني عشر .:

كان موعد سفر إبراهيم قد تحدد في صباح يوم الأربعاء ، ولم يكن قد بقي على رحيله سوى يومين ، ومنذ أيام مضت لم تعد سعاد تتصل بنقاء ، لكنها في صباح ذلك اليوم اتصلت بها تلفونياً بحجة أنها كانت عند الخياطة ، وقد كلفتها أن تخبر نقاء بطلب حضورها لعمل ( البروفة ) فشكرتها نقاء ولم تزد على ذلك ، ولكن سعاد قالت لها أنها سوف تذهب مبكرة للخياطة ، وهي مستعدة لاصطحابها معها ، فلم يسع نقاء إلا أن ترد عليها بأنها لا تتمكن أن تذهب خلال هذين اليومين لأجل قرب موعد سفر إبراهيم . واهتمت سعاد بالخبر واستفهمت منها عن موعد السفر وساعته.. ثم كررت عليها استعدادها لايصالها إلى الخياطة في أي وقت رغبت ، وأنهت المكالمة... انتبهت نقاء إلى أن حكاية الخياطة لم تكن سوى ذريعة لاتصال سعاد بها ، فقد كانت الخياطة تتصل بها تلفونياً في كل مرة لتطلب حضورها عندها ، ولكنها كانت في شغل عن التفكير في سعاد وما يدور حولها.. وفي صباح يوم الأربعاء استيقظت نقاء بعد ليلة لم تنم منها إلا القليل ، وتناولت فطورها على عجل ، وأخذت تستعد للذهاب إلى المطار ، وفي تمام الساعة الثامنة والنصف وصل إبراهيم ليصحبها معه إلى المطار ، فقد اتفقوا على أن تذهب إلى المطار بصحبة إبراهيم ، ويلتحق بها أبوها هناك ، لتعود معه إلى البيت . وركبت السيارة إلى جوار إبراهيم ، وهي ساكتة مطرقة تتحاشى نظرات إبراهيم كي لا يقرأ ما يعتلج في قلبها من أحاسيس ولم تشأ أن تتكلم لئلا يخرج صوتها متهدجاً... وشعرت أن إبراهيم يلتفت إليها بين حين وحين... ويحاول تسليتها بأحاديث عن المستقبل وعهد اللقاء السعيد... وفي المطار كانت تبذل جهداً كبيراً كي تخفي عن إبراهيم ما تعانيه من آلام الوداع ، وظنت أنها نجحت في ذلك ، إلا أن إبراهيم لم يغب عنه ما تقاسي منه نقاء ، فقد قال لها بعد الوداع :
blank.gif
ـ أنا أعرف أنك تبذلين جهداً كبيراً لأجلي يا نقاء ، وهذا ما سوف يجعلني وجلاً عليك ، ولكن تصبري واجهدي في الدعاء لنا بالتوفيق ، وتذكري عودتي ، وافرحي لساعة اللقاء. تصوري أن لديك عزيزاً طال به السفر ، وسوف يعود بعد أشهر ثلاث ، لا تفكري أن هذا بداية الفراق ، بل فكري أن اللقاء سوف يكون قريباً بإذن الله.
blank.gif
شعرت نقاء وهي ترى إبراهيم يصعد سلم الطائرة... إنها سوف تضعف أمام ضغط انفعالاتها ، وكادت أن تسقط لولا أن يداً رحيمة قد أسندتها من الخلف ، ولم تحاول أن تلتفت لترى من يكون هذا الذي أسندها إلى صدره ، فقد عرفت أنه أبوها لا أحد غيره... وأجلسها أبوها على أحد الكراسي لمدة وجيزة ، ثم صحبها إلى خارج المطار ، وكانت تستند على ساعد أبيها ، وهي تسحب قدميها بتعب وإعياء... ساعدها أبوها على ركوب السيارة وتوجه معها نحو الدار ، وفي الطريق شعر أبوها أنها تعاني الكثير من سفر إبراهيم ، فحاول أن يتكلم في أي شيء ، لكي يخرج بها عن بعض أفكارها وانفعالاتها ، فقال :
blank.gif
ـ كان هناك في خارج المطار رجل فضولي وكان همه منحصراً في إلقاء النظرات على الرائحين والغادرين ، وقد لاحظت أنه كان يطيل النظر الى السيدات.
blank.gif
ولم تتمكن نقاء أن تتجاهل كلام أبيها فردت عليه قائلة :
blank.gif
ـ إن الدنيا تزخر بأمثال هذا الرجل من التافهين الفضوليين وما الذي يعنينا منه يا أبتاه ؟.
blank.gif
ـ لا شيء مطلقاً ولكن نظراته أزعجتني كثيراً.
blank.gif
ـ إن نظراته لم ولن تؤثر علينا يا أبتاه ، فمن حقه أن نرثي لأجله ، لا أن ننزعج منه ، فأمثال هذا من الرجال هم أجدر البشر بالرثاء ، إذ يحرمون شبابهم ويبددون طاقاتهم بأفعالهم الصبيانية.
ولكنهم لا يشعرون بالهاوية التي يجرهم إليها هذا السلوك.
blank.gif
ـ نعم أنه مخدوعون.
blank.gif
واكتفت نقاء بهذا القدر من الكلام ، فلم تزد شيئاً. وفي البيت كانت أمها تنتظرها بفارغ صبر ، فألقت بنفسها في أحضان أمها ، وهناك فقد أطلقت لدموعها العنان...

:msn-wink:
مع تحياتي :.الأميرال.:
 
:. الفصل الثالث عشر .:

أما سعاد فقد ألقت سماعة التلفون بعد محادثتها الأخيرة مع نقاء ، وبعد أن استوثقت من سفر إبراهيم . وعرفت ساعة سفره ، فركت يدها بغبطة ، وهي تقول : سوف أبدأ محاولتي الناجحة... نعم ، سوف أبدأها في أول فرصة من سفر إبراهيم صاحب المثل والمفاهيم... ولم تشأ ان تخرج ذلك الصباح ، بل عكفت في دارها تقلب خطتها على جميع الوجوه حتى استوثقت أخيراً من استكمال حلقاتها وعند الظهر تناولت طعامها مع محمود ، وعلى المائدة قالت وكأنها تذكرت أمراً :
blank.gif
ـ معذرة أنا لم أحدثك بتطورات الموقف يا محمود ...
blank.gif
ـ وأي موقف هو هذا يا سعاد ؟!.
blank.gif
ـ الصراع القائم بين سعيد والممثل.
blank.gif
ـ آه ... حول تلك الغادة الحسناء ؟
blank.gif
ـ نعم حولها .
blank.gif
ـ ما الذي جد في الأمر يا سعاد ؟
blank.gif
ـ إنهما لا يزالان يتباريان ...
يا لها من مقامرة ماهرة ... إنها تعرف كيف تكسب الرجل الذي يحمل إليها أكثر مقدار ممكن من المال ، تصور أنها الآن تتظاهر بمصادقة رجل كهل ، لكي تغيظ هذين الشابين وتزيد حماسهما إندفاعاً.
blank.gif
ـ كيف ومن أين لك هذه المعلومات وأنا لا أرى لهذه الفتاة أثراً ولا خبراً في أي حفلة من الحفلات أو أي منتزه من المنتزهات ؟!
blank.gif
ـ وما يدريك يا محمود ، فلعلك رأيتها ولم تعرفها ، فهي تظهر بمختلف الأزياء ، فتارة هي محافظة وقورة تلبس الطرحة وتلتفع بمعطف أسود.. وتارة هي غانية لعوب ترود الحفلات وتحي السهرات. وأنا لا أكاد أشخصها حتى الآن ، ولكني عرفت أنها سوف تذهب إلى المطار صباح يوم الأربعاء في الساعة التاسعة لموادعة إحدى صديقاتها ، فإذا أمكنني الذهاب إلى هناك فسوف أتمكن من التعرف عليها بلا ريب...
blank.gif
ـ وكيف يمكنك ذلك وسط مجموعة النساء اللاتي يعج بهن المطار ؟!
blank.gif
ـ أنا أعلم أنها بيضاء شقراء عسلية العينين ، بيضوية الوجه ، متوسطة الطول ، رشيقة القوام ، ثم إن لديها خالاً أسود فوق رقبتها من الجهة اليمنى ، وسوف يدلني هذا عليها بدون شك ... هذا إذا كانت سافرة . وأما إذا كانت في مسموح المحافظات ، فإن زيها أحسن دليل يدليني عليها ، وأغلب الظن أنها ستكون كذلك بلا ريب إن صاحبها الكهل ، سوف يصحبها إلى هناك ... وهي تكثر الظهور بهذا الزي التنكري ما دامت معه.
blank.gif
واكتفت سعاد بهذا القدر من الكلام في هذه المرة ، فأتمت غذاءها على عجل ، وتوجهت نحو غرفتها ، وما أن أوصدت خلفها الباب ، حتى تمتمت قائلة : سوف أتظاهر يوم الأربعاء بالمرض ، وسوف لن أخرج من البيت لأدع له المجال في الذهاب إلى هناك . هو لا يعرف أباها مطلقاً ، ولذلك فسوف يصدق ما قلته له عن وجود صاحب لها ، كهل ، فهي سوف تذهب إلى المطار مع إبراهيم في الساعة الثامنة والنصف كما أخبرتني ، والطائرة سوف تقلع في تمام التاسعة ، ولابد أنها سوف ترجع مع أبيها إلى البيت...
blank.gif
ثم ألقت سعاد بنفسها على السرير ، وأطلقت لفكرها العنان ... فكرت أنها قد أقدمت على مغامرة طائشة ، قد تفقد من ورائها محمود ، ولكن سرعان ما عادت تقول : إن محمود لن يتحرر من نفوذي عليه ، فأنا بالنسبة إليه أكثر من زوجة ، وأكثر من معشوقة ... أنا موجه له ومرشدة ، أنا التي سكبت فيه روحاً من روحي ، وبعثت في رأسه جميع أفكاري وآرائي ، أنه لم يكن سوى رجل تافه خامل قبل أن ألقي شباكي عليه ، فهو صنعية يدي في هذا الباب ، ثم إنه دائب على تتبع الغواني ، وترصد الفاتنات ، فما الذي يؤثر عليّ إذا كانت إحداهن نقاء... إنه سادر في طيشه ، منساق وراء نزواته ، سواءاً مع هذه أو تلك ، ولديه من أساليب الاغراء أقواها أثراً وأرسخها أساساً ، وهو المال معبود الملايين...
blank.gif
وفعلاً فقد نفذت خطتها كاملة ، فتظاهرت بالمرض في صباح يوم الأربعاء ، وأظهرت أمام زوجها أسفها لعدم تمكنها من الذهاب إلى المطار ، والتعرف على تلك الفتاة ، وشعرت أن محمود قد أكثر من التأنق في ذلك الصباح ... وفي الساعة الثامنة الدقيقة الخامسة والعشرين ، خرج محمود من الدار ، وألقت عليه سعاد نظرة من نافذتها ، وهو يستقل سيارته ، وتمتمت تقول : إنك حريص جداً على تحديد المواعيد ، إذهب إلى حيث بعثتك يا محمود ! ولتكن سيارتك الفارهة هذه أول أحابيل إغرائك ... ولم تتمكن سعاد من الخروج ، لئلاً يعود محمود قبلها فلا يجدها في الدار ، وفعلاً فقد عاد محمود في التاسعة والنصف وذهب إلى غرفته رأساً ولم يخرج منها إلا إلى غرفة المائدة ، وتناولت سعاد الغداء معه فعرفت أنه في سبيل إيجاد أحسن طريقة يستحوذ بها على تلك الفتاة.
:msn-wink:
مع تحياتي :.الأميرال.:
 
:. الفصل الرابع عشر .:
مر يومان على سفر إبراهيم ، ولم تخرج نقاء من الدار ، وفي صباح اليوم الثالث صممت على أن تذهب لزيارة خالة إبراهيم ، التي ربته وأنشأته ، وكانت له بمثابة الأم ، وعند الباب أبصرت سعاد وهي تترجل من سيارتها أمام البيت ، فلم يسعها إلا أن تقف لتستقبلها ، وكان لقاء سعاد لها ودوداً حاراً ... ولما عرضت عليها الدخول إلى الدار ، قالت : أنها تود لو تجلس قليلاً في الحديقة ، وفي ظل إحدى الشجيرات ... وفهمت أن سعاد تحاول الانفراد بها دون خالتها ، ولكنها لم يسعها أن تمتنع من ذلك ، وعزمت على أن تذهب لتستدعي أمها بعد قليل ، ولكن سعاد لم تتطرق إلى ابراهيم وسفره إلا بكلمات قصيرة ، وكان حديثها يدور حول أمور شتى بعيدة عن إبراهيم ، ولهذا لم تجد نقاء أي داع لطلب حضور أمها وهي تعلم أنها تنفر من سعاد وتتحاشاها.. تحدثت سعاد عن حرصها الشديد على التنزه وهي راجلة في كل صباح .. ثم سكتتت لحظة تنتظر تعليقاً من نقاء على كلامها ، ولكنها لم تعلق بشيء ، فلم تر بداً من أن تسألها قائلة :
ـ وأنت يا نقاء ! ألا يسمح لك بالتنزه للترفيه عنك في بعض الأيام ؟...
blank.gif
وآلم نقاء أن تكون جميع كلمات سعاد مسمومة... ولم تر بداً من أن تجيبها وهي تتعمد اللامبالاة.
blank.gif
ـ وقد أقصد منتزه الجمهورية ، أو حدائق الغوطة.
blank.gif
وتظاهرت سعاد بالاستغراب ، وقالت :
blank.gif
ـ آه ، إذن أنت لا تتعدين هذين المكانين ؟
blank.gif
ـ لا ، مطلقاً.
blank.gif
ـ وهل كان إبراهيم يصحبك إلى هناك ... أقصد أيسمح لك إبراهيم بذلك ؟
blank.gif
ـ أما مع إبراهيم كنت أذهب إلى كل مكان يراه مناسباً لي.
blank.gif
ـ إذن أنت وحدك تذهبين إلى هذين المكانين ؟
blank.gif
ـ نعم ... أو مع أبي.
blank.gif
ـ أو تذهبين وحدك يا نقاء ؟!
blank.gif
ـ نعم بعد أن يأذن لي إبراهيم !
blank.gif
ـ كنت أظن أن تقاليدك تمنعك من ذلك.
blank.gif
ـ إن الآداب التي تعتبرينها تقاليد ، لا تقيد الحريات المهذبة ، وإنما تشترط في كل ذلك أن يكون في إطار ديني ، وأن لا يخرج عن حدود الآداب الاسلامية ... ولي من عقيدتي ومبدأي ما يقيني كل سوء ، ويدفع عني كل شر.
blank.gif
ـ وكيف تقضين أوقاتك هناك وأنت وحيدة بين مئات من الناس ؟
blank.gif
ـ إن من عادتي أن أعتزل المنطقة المزدحمة ، وأختار لي ركناً قصياً ، وأصحب معي آثر كتاب عندي ، فإن المطالعة هناك تحلو لي كثيراً..
blank.gif
فتأوهت سعاد وكأنها تستمع إلى كلام ذي شجون وقالت بصوت يفطر أسى ومرارة :
blank.gif
ـ يا له من ظلم فظيع ... أمثلك تعتزل المجتمع وتعيش على هامش الحياة ؟ أتكون محاسنك هذه رهناً للمعطف والطرحة السوداء ، وتكون أفكارك الفتية مدفونة بين صفحات كتاب ؟ إن أسفي عليك لا يكاد ينقضي يا نقاء ! فأنت جديرة باحتلال عرش ملكات الجمال . حقاً أن الماس ليبدو غريباً إلا على جيدك العاجي ... أنا على ثقة من أنك لا تزالين تجهلين حقيقة جمالك وروعته ، فالفتاة الصغيرة لا تشعر بواقع جمالها إلا إذا استمعت إليه من أفواه الرجال ، فهم أخبر ما يكونون بأنواع الجمال ، إن حياة المرأة تبدأ عندما تشعر أن ألوفاً من القلوب أخذت تحوم حولها. فما دامت الفتاة مغلفة بالأبراد ، فهي لن تتمكن أن تعرف لأنوثتها طعاماً ، أو تشعر لجمالها لذة ... أنت مظلومة يا نقاء ! فها أنت تقبعين هنا في عزلتك هذه ، في الوقت الذي يتنقل فيه إبراهيم حراً طليقاً في ربوع فرنسا ... أنت تتجنبين رجال بلدك ، وإبراهيم يتقلب في أحضان غانيات باريس...
blank.gif
قالت نقاء :
blank.gif
ـ أية حياة هذه التي تتحدثين عنها يا سعاد ؟! ومتى كانت غرائز الرجال هي المحور في تهديد شخصية الفتاة ؟ إن غرائز الرجال تتمكن أن تقيم جانباً واحداً من جوانب وجودها فقط وهو الجانب المادي ! هذا الجانب الذي لا يمكن أن يكتب له الاستمرار بصورة ثابتة في حياة الفتاة ، ولهذا فإن الكيان الذي تصل إليه الفتاة في مسيرة حياتها نتيجة حكم غرائز الرجال عليها محدود الأمد والنمو والكيان الذي تحققه الفتاة لنفسها عن طريق حكم العقول والأفكار ، هو الطريق الثابت القابل للتصاعد والتقدم نتيجة تصاعد الأسباب التي دعت إليه ، والدين هو المنار الذي يهدي السائرات إلى تحقيق وجودهن على أساس هذا الواقع الثابت المستقيم ، إنني لست مظلومة ، ولكن الفتاة التي تفتقد أنوثتها وكرامتها وتستحيل إلى سلعة مقروضة يختارها الرجل تارة ويبذها أخرى .. مظلومة يا سعاد ...! إنني لست أسيرة وإنني حرة في جميع تصرفاتي ، لا أخضع لأحد فيها سوى الله عز وجل ، ولكن الأسيرة تلك التي يتلاعب بمقدورات وجودها واضع موضة ، أو مصمم زي من الأزياء ، أو مقترح صبغ من أصباغ الوجه والكفين ، أما الآن فأنني سأذهب لأستدعي أمي ، فقد ظننت أنك لن تتطرقي إلى أمثال هذه المواضع ... أما الآن فقد وجب حضور أمي.
blank.gif
ولكن سعاد سارعت بالنهوض أيضاً وهي تقول :
blank.gif
ـ ولكني آسفة يا نقاء ...! فقد حان وقت عودتي إلى البيت ، فإن لدي ضيوفاً ولابد أنه قادمون بعد قليل.
blank.gif
فلم ترد عليها نقاء ولم تحاول أن تستبقيها ، بل ظلت واقفة وقد اصطبغ وجهها بحمرة قانية ، فقد ودت لو أن سعاد لم تكن ضيفتها أو قريبتها ، إذن لعرفت كيف تتصرف معها.
blank.gif
ولهذا فقد انصرفت سعاد بسرعة ، وحرصت على أن تجتمع مع محمود في ذلك اليوم ، وأن تشير أمامه إلى أن الفتاة التي يحوم الصراع حولها ، تتردد على منتزه الجمهورية ، أو حدائق الغوطة ، وإنها لا تتعدى هذين المكانين ما دامت لم تصل إلى اختيار واحد من الاثنين ... ومنذ ذلك اليوم كان محمود يتنقل بين هذين المكانين ، وكله عيون تتطلع ليجد ضالته بين الحسان ، بعد أن رآها وعرفها في المطار ، وقد توطد أمله بالفوز بها بعد أن رآها في صحبة أبيها الذي صورته له سعاد بصورة صديق أو خليل وعزا ذلك إلى أن مصاحبتها لهذا الرجل الكهل ، لم تكن إلا لأجل المال ، وهو يملك المال والشباب ... ومرة رآها في ركن قصي من المنتزه ، وكان معها
نفس الرجل الكهل ، فلم يشأ أن يتقرب نحوها ، واستمر ينتظر فرصة أخرى في يوم ما . .
:msn-wink:
مع تحياتي :.الأميرال.:
 
شكرا ع المرور نجمة الليل وأتمنى دائما أن تعجبكي مواضيعي

:. الفصل الخامس عشر .:

كانت نقاء تتلقى في نهاية كل أسبوع رسالة من إبراهيم ، وكانت رسائله مسهبة مفصلة ، يحدثها فيها عن أعماله وأحواله وعن أفكاره ومشاعره ، وهي مليئة بكلمات الحب ، نابضة بعبارات الاخلاص والوفاء ، ولم تكن نقاء تتوانى عن الرد ، فهي تكتب في يوم وصول رسالته إليها وتحدثه أيضاً عن أحوالها ، وما يجد في حياتها ، كما أنها كانت تحاول أن تبعث فيه بكلماتها العاطفية العذبة ، روح المقاومة على الفراق ... وكانت تقضي أيام الأسبوع وهي تعيش على رسالة إبراهيم ، تعيد قراءتها مرة ومرة ، وتعد كلماتها باتقان ، ثم تعود لتعد حروفها أيضاً ، وعندما كانت تشعر بوحشة ممضة ، كانت تقصد المنتزه لترفه عن نفسها في الهواء الطلق... وفي مرة كانت تجلس في ركنها المنعزل من المنتزه ، وهي منهمكة في مطالعة رواية معربة لفيكتور هيجو ، أحست أن وراءها من يتطلع نحوها ، ونحو الكتاب الذي تقرأ فيه ، ولكنها رأت أن من الحكمة أن لا تلقي بالاً إلى هذا المتطفل أياً كان ، ولهذا فلم ترفع رأسها عن الكتاب ، وفجأة شعرت أن كرسياً قد وضع قريباً من الكرسي الذي تجلس عليه ، ولم تلتفت كذلك ، فقد كانت هذه هي طريقتها دائماً في تجاهل الفضوليين ، وبعد برهة وجيزة أقبل الساقي ليسألها إذا كانت تطلب شيئاً ، فرفعت رأسها وقالت : أنها تطلب كأساً من عصير الليمون . وذهب الساقي ليأتي بما طلبت ، ولكن صوتاً غريباً ارتفع من الجالس على الكرسي القريب منها ، وهو يقول :
blank.gif
ـ أرى أن الأنسة تفضل شراب الليمون..
blank.gif
فالتفتت نحو مصدر الصوت لترى شاباً قد اتخذ له مجلساً على كرسي هناك ، وهالها منه هذه الميوعة التي كانت تبدو واضحة عليه ولم تر بداً من أن تجيب قائلة : نعم ... ولم تزد على ذلك ، وهمت أن تنهض لتنصرف ، ولكنها لاحظت أنها مقيدة أدبياً بانتظار الساقي. فتململت في جلستها وعادت تقرأ ، ولكن الرجل المتطفل لم يكن ليهزم بهذه السرعة ، ولم يخطر بباله سوى أنها أساليب إغراء ، فأردف يقول :
blank.gif
ـ وما هذا الكتاب الذي استحوذ عليك يا أنسة ؟!.
blank.gif
ولم تشأ أن تجيبه ، ولكنه كرر سؤاله ثانية وثالثة.. فلم تر من اللياقة أن تبقى أسئلته المتكررة بدون جواب... فأجابته في برودة قائلة :
blank.gif
ـ إنه « عاصفة وقلب » لهيجو.
ولم يفهم محمود لكلماتها معنى ، فهو لم يقرأ أي كتاب لهيجو ، بل ولم يكن يعرف أي شيء عن أسلوبه في الكتابة ، ولذلك فهو لم يقع في جوابها إلا على كلمة « عاصفة وقلب » فأرسل آهة قصيرة ثم قال :
blank.gif
ـ إن أروع القصص هي قصة القلوب... نعم ، القلوب الخفاقة بالحب ، الناضحة بالوجد ، إن أقدس شيء في الحياة هو الحب يا أنستي العزيزة.
blank.gif
وأزعجت نقاء هذه الكلمات ، وردت عليه ، وكأنها تحدث نفسها قائلة :
blank.gif
ـ إن أقدس شيء في الحياة هو المبدأ ، وأعز شيء هو الدين والعقيدة.
blank.gif
وظنت أنها قد تخلصت بجوابها هذا من مضايقة محدثها المتطفل وأنه سوف يعرف أن أهدافه لن تصيب عندها مرمى ، ولكن محمود لم يكن لتهمه هذه الألفاظ ، وهو يظنها رياءاً وخداعاً ، وساءه أن تكون فاتنته قد اختارت أن تلعب معه هذه اللعبة ، فتضاحك وهو يقول :
blank.gif
ـ إن الحب والمال هما العنصران الاساسيان في الحياة ... فلا حب بلا مال ، ولا مال بلا حب ... فأنا مثلاً لدي من المال الشيء الكثير ولكني ما زلت أسعى وراء الحب ، إن الذهب الذي بين يدي حائر يفتش عمن يتهاوى على قدميها.
وهنا لم يسع نقاء إلا أن تنهض سواء أجاء الساقي أو لم يجيء ، فانتفضت واقفة وهي تقول :
blank.gif
ـ إنك على خطأ فظيع ، فإن المال الذي تضعه أنت قبل كل شيء وفوق كل شيء ، ما هو في الواقع غير خديعة وسراب قد يتلاشى في لمحة عين ، فلا يخلف وراءه غير الحسرة والندم ... ولكن الشيء الوحيد الذي هو فوق كل شيء وقبل كل شيء هو الكرامة ... نعم كرامة الانسان ... ولا تكتسب هذه عن طريق مال أو ثروة... ومن يفلس منها فقد أفلس من كل شيء...
blank.gif
قالت نقاء هذا وأخذت طريقها نحو الخروج... ولم ييأس محمود بل زاده هذا اللقاء رغبة واندفاعاً ، وتمتم قائلاً وهو يراها تبتعد عنه : حقاً أنها لعنيدة ماكرة ، ولكني سوف أعرف كيف أكشفها على حقيقتها ... ثم نهض وتوجه نحو الخارج وقرب سيارته نحو باب المنتزه ثم ترجل منها ووقف إلى جوارها وعيناه شاخصتان إلى الباب ... فقد كان يعلم أن نقاء لم تخرج بعد وقد رآها تدفع ثمن العصير ، ثم خرجت فتقدم نحوها خطوات ، ولكنها تجاهلته واتجهت إلى الناحية الأخرى ، وكاد أن يناديها ليعرض عليها إرجاعها إلى البيت ، ولكن شيئاً ما في مشيتها وتجاهلها له منعه من أن يقوم بأي عمل صبياني ... فتراجع نحو سيارته وهو يقول : أنها رأت السيارة ولا ريب ، وسوف يأتي اليوم الذي تطلب هي فيه أن تستقلها إلى جواري ، أما الآن فإن عليّ أن أتبعها لأعرف بيتها الذي تسكن فيه . وكانت نقاء قد توجهت إلى « الأمانة » واستقلتها ، وأسرع محمود بسيارته خلف السيارة التي كانت فيها نقاء ، وحرص جداً أن لا يفوته تعقبها من بين باقي السيارات ، وفي أحد الشوارع وقفت السيارة التي كان يتبعها ونزلت منها نقاء فدلفت إلى أحد البيوت ، فأوقف محمود سيارته ، ونزل ليرى رقم البيت حتى يسهل التعرف عليه فيما بعد ، ولكنه فوجيء بلوحة تحمل إسم أحدى الخياطات الشهيرات ، فعلم أنها زبون لهذه الخياطة ، فشعر بالخيبة ولم يسعه إلا أن يعود بسيارته من حيث أتى ، وقد كانت نقاء قد خمنت ذلك ، ولهذا لم تشأ أن تذهب إلى البيت لئلا يتبعها هذا الرجل الفضولي إلى هناك.

:msn-wink:
مع تحياتي :.الأميرال.:
 
اتممت قراءة الفصول , هل من مزيد :smile2:
 
عذرا لتوقف

:. الفصل السادس عشر .:

رجعت نقاء إلى البيت ، وكان في انتظارها هناك رسالة من إبراهيم ، أنستها الرجل المتطفل ، وكل ما يدور حوله ، وأمضت في قراءتها وقتاً طويلاً ... فهي كالعادة رسالة مسهبة تشرح كل شيء ، وتتناول كل موضوع ... وأحست نقاء أن إبراهيماً لا يزال قريباً منها ، فهي لم تفتقد روحه ولم تنقطع عن أفكاره ، فهذه رسائله الأسبوعية تنبض بالحياة وتصل بين قلبيهما وفكريهما ، ولا تدع لعامل من عوامل الفراق أن يقطع هذه الصلة الروحية... وفي المساء سهرت نقاء مع كتابة رسالة لإبراهيم ، ولم تنته منها إلا في ساعة متأخرة من الليل ، فآوت إلى فراشها وهي تحس بمتعة ونشاط ، وكأنها عادت من سهرة كانت تضمها مع إبراهيم ... وكان يلذ لها كثيراً أن تجلس في نهاية كل أسبوع لتحدث إبراهيم في رسالتها عن أسبوعها المنصرم وكل ما جد في حياتها خلاله . وفي الصباح ذهبت بنفسها لابراد الرسالة ، فقد كانت تحرص على انجاز هذه المهمة بنفسها في كل اسبوع ، وفي أحد الأسابيع توجهت إلى البريد لترد رسالتها الأسبوعية ، وفي طريق عودتها عرجت على المنتزه ، فقد كان اليوم صحواً والشمس دافئة نقية ، ودخلت المتنزه فلاحظت أنه يكاد أن يكون خالياً من الرواد لولا بعض المتنزهين توزعوا في أنحائه البعيدة ، ولذلك فلم تشأ نقاء أن تذهب إلى ركن منعزل ، فقد كان هدوء المنتزه يوحي بالوحشة ، وفكرت في أن تعود من حيث أتت ، ولكنها فطنت أن ذلك سيبدو منها حركة غريبة بعد أن لاحظ دخولها الجالسون ، فجلست وهي تشعر بقلق وحيرة ولم تكن تحمل معها كتاباً في هذه المرة ، وجاء الساقي ليسألها عن طلبها فلم تر بداً من أن تطلب إليه زجاجة من العصير ، وصممت على أن تترك المنتزه قبل أن تشربه ، ولكن بعد دفع ثمنه ، وفي تلك اللحظة سمعت وراءها صوتاً يقول :
blank.gif
ـ يا لها من فرصة سعيدة جمعتني بك مرة أخرى.
blank.gif
وكان صاحب الصوت يتقدم حتى واجهها ، فرأت إنه ذلك الرجل الفضولي الذي تطفل عليها في المرة السابقة ، فسرت رعدة خفيفة في عروقها وهزت رأسها قائلة :
blank.gif
ـ لعلك غلطان يا سيدي ، ثم أدارت وجهها عنه.
blank.gif
فقد رأت أفضل طريقة لازاحة هذا الرجل هو تجاهله التام ، ولكنه أتخذ له مجلساً بالقرب منها وضحك وهو يقول :
blank.gif
ـ لا أظن ذاكرتك ضعيفة إلى هذا الحد ، أما أنا قد انطبعت صورتك على شغاف قلبي منذ النظرة الأولى ، وها أنا مستعد لبذل روحي وثروتي التي تعد بالملايين في سبيل نظرة واحدة منك يا آنسة !.
blank.gif
فانتفضت نقاء غضباً ، وهمت أن تقوم فتنصرف دون أن ترد عليه ، ولكنها خشيت أن يظن فيها الضعف أو ينسب فرارها إلى الخوف فيشجعه ذلك على التعرض لها فيما بعد ، فتمالكت نفسها وقالت :
blank.gif
ـ الآن ذكرتك يا رجل ! فإن نغمة المادة التي تشع على كلامك تميزك عن غيرك من الرجال.
blank.gif
ورآى محمود أن الفرصة مواتية لكي يسترسل في بيان مقدار ثروته فقال :
blank.gif
ـ نعم ، أنا أقرك على هذا ... فقد انصبغت كلماتي بصبغة المال . فالثروة إذا تكاثرت بدت علاماتها واضحة على جميع تصرفات صاحبها.
blank.gif
وودت نقاء لو ضحكت على هذا الرجل المسكين الذي لا يملك شيئاً غير المال ، والذي يعني أن المال هو أقوى سلاح ، ولكنها لم تشأ أن تضحك أمام هذا الرجل الفضولي ، حتى ولا ضحكة استهزاء ، وشعرت أن لديها ما تقوله قبل أن تقوم ، وشعرت أيضاً أن عليها أن تقول ذلك لتفهمه أن بين بنات الاسلام من لا يغرها المال ، ولا تخدعها الثروة ، ولهذا فقد أجابته قائلة : من المؤسف حقاً أن يصطبغ الانسان بطابع الثروة ، وأن تبدو عليه دلائلها في جميع أحواله وتصرفاته ، لأن ذلك لا يتم إلا إذا اقفرت شخصيته من جميع العلامات الأخرى.
blank.gif
ـ إن المال الذي يلبس شخصية صاحبه أي لبوس شاء ، ويبرزه بأي شكل رغب.
blank.gif
ـ أبداً فإن المال لا يتمكن أن يخلع على صاحبه أي إطار ، اللهم سوى إطار الاناقة ، وهذا هو أتفه شيء بالنسبة إلى الرجال.
blank.gif
وبحركة لا اختيارية رفع محمود يده نحو شعره الذي كان مصففاً بأحدث طريقة ، وكانت خصلات منه تتدلى على جبينه ، وقد دهنت وصبغت ، في الوقت الذي كان شعره الباقي يقرب من السواد ، وكأن كلمات نقاء عن إناقة الرجال وميوعتهم قد أثرت عليه دون أن يشعر ... وأحست نقاء بحركته هذه ، فاسترسلت تقول :
blank.gif
ـ إن الكرامة مجردة قد تجر إلى الثروة ، والاستقامة وحدها يمكن أن تأتي بالثروة ، والشخصية القوية بمفردها ربما ساقت صاحبها إلى المال ، ولكن المال وحده لا يتمكن أن يأتي بأي ميزة من هذه الميزات.
blank.gif
واستغرب محمود لهجة نقاء الصادقة ، وكلماتها المركزة ، وعجب أن يبلغ الرياء بهذه الفتاة هذا المبلغ ، وتردد لحظة قبل أن يرد قائلاً : ـ أنت تتحدثين بأسلوب غريب لا ينطبق وشخصيتك.
blank.gif
وهنا تلكأ محمود قبل أن يردف كلمة شخصيتك بكلمة الفاتنة ، ولم يستطع أن يفهم سبباً لهذا التردد ، وهو يحدث فتاة معروضة للمساومة حسب ما كان يعتقد ... وكادت نقاء أن تنهض بعد هذا الجواب ، ولكن دافعاً خفياً كان يشدها إلى الجلوس ويدعوها إلى أن ترد على هذا الرجل وتجعله يقف بجرأته عند حد .. فردت عليه بنفس لهجتها التهكمية قائلة :
blank.gif
ـ أنا لا أتحدث بأي أسلوب غريب ، وليس في كلماتي أي معنى جديد ، وإنما أنت هو الذي يتحدث بأسلوب غريب عن الرجولة ، بعيد عن العزة والكرامة ، ولا أدري ما الذي يدعوني إلى الرد عليك وكلماتك لا تستحق عندي أي رد أو تعليق ، ولكن العاطفة الانسانية هي التي دفعت بي إلى أن أنبهك من غفلتك ، فاعلم يا سيدي ، أن الشخص الذي يركز حياته ويبني نجاحه على المال وحده ويعقد مستقبله على تأثير الثروة والغنى يكون ضائعاً لا محالة ، فإن المواد الأرضية معرضة للفناء مهما عزت وغلت ، فلا تظن بعد الآن أنك بما تملك من ثروة تستطيع أن تتطفل على من تشاء وتستحوذ على من تريد... أنت واقع تحت تأثير مفهوم خاطىء ، بعيد كل البعد عن الحقيقة والواقع.
blank.gif
وما أن أتمت كلماتها هذه حتى وقفت واتجهت نحو باب الخروج ، وخلفت محمود وراءها ، وقد أخذ بهذا السلوك الغريب من هذه التي كان يحسبها غانية لعوباً.


:msn-wink:
مع تحياتي :.الأميرال.:
 
ليش ما تغير عنوان القصه
على ان ارسلنا احد المشرفين تتفاهم وياه و تقول ليه وش الأسم اللي تبيه
:smile2:

ما زلت متابعه :smile:
 

السلام عليكم ورحمة الله

اخي العزيز عن جد تسلم ايدك

واستمتعت جدا بالموضوع

واشكرك من قلبي علي انتقائك الممتاز

وانتظر بشغف ابداعاتك

سلمت وسلمت يداك

تقبل مروري اخوك

وائل

:blush-anim-cl:
 
أسم الرواية الفضيلة تنتصر

وياليت صدق يتغير بس أشلون

أتمنى من أحد المشرفين الذين يتابعون الموضوع ( تغيره الى رواية الفضيلة تنتصر لشهيدة بنت الهدى )

وشكرا لكل المتابعين للموضوع

فعلا الشهيدة لها كتب جميلة تستحق المتابعة


:msn-wink:

مع تحياتي :.الأميرال.:
 
لا شكر على واجب وترى الرواية مو من تأليفي ولم أكتب فيها صطرا واحد لاكنها لأمرأة عظيمة هي بنت الهدى وهي الأجدر أن تنال الشكر على ما خلفته من كتب قيمة جميلة يستفيد الأنسان منها


:msn-wink:
مع تحياتي :.الأميرال.:
 
بخبر احد المشرفين تبع القسم او واحد من المشرفين العامين اللحين
:smile2:
 
صباح الأمل

شكرا للأخت نجمة الليل

:. الفصل السابع عشر .:

أما سعاد فقد كانت تود لو استطلعت من محمود نتيجة فعالياته ... ولكنها لم تجرأ على ذلك ، لا لشيء ولكن لكي لا تلقي في قلب محمود الشك من إرشاده إلى هذه الفتاة ، فقد كان عليها أن تتجاهل أن كلامها كان له أي تأثير على محمود ، والشيء الذي لاحظته أن محمود لم يكن يؤم البيت إلا ساعة أو ساعتين في النهار وعرفت أوقاته موزعة بين المنتزه وحدائق الغوطة ، وكان منظر سنية وهي غضبى مقطبة أكبر تسلية لها على تصور محمود ، وهو واقع في حبائل نقاء ... فقد كانت سنية تعيش في هم مقيم ، بعد أن أنشغل عنها محمود ، وانصرف إلى ملاحقة نقاء ... وفي مرة عاد محمود إلى البيت فلاحظت عليه سعاد أنه حائر مشوش الفكر ، وأنه كثيراً ما يشرد بين آونة وأخرى فشاع الاضطراب في نفس سعاد ، وخشيت أن يكون محمود قد فشل في محاولاته أو ضعف أمام عناد نقاء ، ولكنها لم تتوصل إلى طريقة تمكنها من فهم الواقع ، وبعد كثرة تردد قررت أن تذهب لزيارة نقاء ، فاتصلت بها تلفونياً واستوثقت من عدم وجود زوار لديها ثم استقلت سيارتها إلى بيت نقاء ولم تخرج نقاء لاستقبالها ، بل كلفت الخادمة أن تقودها إلى الصالون ، وأخبرت أمها بعزم سعاد على المجيء ، وطلبت منها أن تحضر ، ولكن أمها لم تتمكن أن تجلس مع سعاد أكثر من دقائق ، واعتذرت بكونها محمومة ويلزم عليها أن تذهب إلى غرفتها لتستريح ، وفوجئت نقاء بعزم أمها على الذهاب إلى غرفتها ، وحاولت أن تثنيها على ذلك ، ولكن أمها كانت تظن أنها بحركتها هذه سوف تغضب سعاد وتظهرها على نقمتها عليها وعدم اهتمامها بوجودها... وسر سعاد خروج خالتها وانفرادها بنقاء ، وارتبكت نقاء وحارت ماذا تفعل إذا عادت سعاد إلى كلامها المعهود وهي لا تطيق ذلك مطلقاً ، فهي تخشى أن تصدر عنها كلمات تسيء فيها إلى سعاد ، ولهذا فقد بدا الارتباك واضحاً عليها ... ولاحظت سعاد علائم الاضطراب التي ظهرت على نقاء ، فعللت ذلك بتعليل آخر هو أبعد ما يكون عن الواقع ... فبدأت تتحدث وكان حديثها يدور حول أذواق الرجال في الجمال ، وكلمات الاعجاب التي سبق أن سمعتها من المعجبين... وكيف أن كثيراً من الرجال كانوا يلاحقونها بالمدح والاطراء أينما سارت وأي مكان حلت فيه ...
blank.gif
وكانت سعاد تقصد من ذكرها لهذه الحوادث استدراج نقاء لذكر حوادث مماثلة عسى أن تتوصل إلى معرفة شيء عن موقف محمود معها ، ولكن نقاء لم تكن ممن يجرفهن الحديث ، فهي لم تعلق على أحاديث سعاد بأي شيء... ولهذا فقد انصرفت عنها سعاد وهي على ثقة من أن محمود قد تمكن من التغرير بنقاء ، وإلا لكانت حدثتها عنه وعن مغازلته لها .. وحدثت سعاد نفسها قائلة : إن نجاح محمود قد أصبح عندي أرجح من فشله ، فليس من المعقول أن تقاوم هذه الفتاة الصغيرة إغراء محمود وترفض ثروته وملايينه.
blank.gif
وفي البيت افتقدت سعاد خادمتها سنية ، وكانت تفتقدها كثيراً في الأيام الأخيرة ، وخمنت أنها في سبيلها إلى التجسس على محمود والتعرف على فاتنته الجديدة ... والواقع أن سنية كانت تتعقب سيدها في أغلب الأيام لترى غريمتها التي سلبته لبه ، وقد شاهدته في أحد الأيام يتحدث مع نقاء ، ولكنها لم تصدق أن هذه الفتاة المحتشمة الوقور هي التي أغرت سيدها وسحرته .. وظنت أن جلوسه معها مجرد مصادفة . ولهذا فقد استمرت تتعقبه وتتجسس عليه.


:msn-wink:

مع تحياتي :.الأميرال.:
 
ٱلفُصِل ٱلثًٱمنٌ عشّر


كٱنٌتُ رسًٱئل إبّرٱۂيّم لٱ تُفُتُأ تُصِل إلى نٌقَٱء فُيّ نٌۂٱيّة كل أسًبّوِع ، وِكٱنٌتُ جَميّع رسًٱئلۂ تُحًمل معۂٱ ٱلأمل فُيّ إسًرٱعۂ بّٱلعوِدُة وِتُقَليّصِ مدُة ٱلفُرٱقَ .. وِكٱنٌتُ نٌقَٱء قَدُ تُجَنٌبّتُ ٱلذٌۂٱبّ إلى ٱلمنٌتُزۂ بّعدُ تُكرر مصِٱدُفُة محًموِدُ ۂنٌٱك ، وِلكنٌۂٱ فُيّ أحًدُ ٱلأيّٱم أحًسًتُ بّحًٱجَتُۂٱ إلى ٱلتُرفُيّۂ وِٱلتُنٌزۂ ، فُقَصِدُتُ إلى حًدُٱئقَ ٱلغّوِطٌة وِۂيّ على ٱطٌمئنٌٱنٌ منٌ أنٌۂٱ سًتُكوِنٌ فُيّ منٌجَٱة منٌ تُطٌفُل ذٌٱك ٱلرجَل ٱلفُضوِليّ ۂنٌٱك ، فُلٱبّدُ أنٌۂ منٌ روِٱدُ ذٌٱك ٱلمنٌتُزۂ بّٱلخٌصِوِصِ ، وِفُيّ ٱلحًدُٱئقَ لفُتُ نٌظٌرۂٱ منٌظٌر ٱمرأة شّٱبّة ، مۂلۂلة ٱلثًيّٱبّ ، بّٱدُيّة ٱلشّحًوِبّ ، ذٌٱبّلة ٱلأجَفُٱنٌ ، وِۂيّ تُحًمل على يّدُۂٱ طٌفُلٱً لٱ تُكٱدُ ملٱبّسًۂ ٱلممزقَة تُسًتُر جَسًمۂ ٱلۂزيّل ، وِكٱنٌ منٌظٌر ۂذٌۂ ٱلمرأ يّجَسًدُ ٱلبّؤسً وِٱلفُٱقَة فُيّ أجَلى مظٌٱۂرۂمٱ ، وِۂيّ تُدُوِر على ٱلجَٱلسًيّنٌ تُسًتُدُر عطٌفُۂم ليّجَوِدُوِٱ عليّۂٱ بّبّعض ٱلنٌقَوِدُ... وِعنٌدُمٱ لٱحًظٌتُ نٌقَٱء أنٌۂٱ تُتُقَدُم نٌحًوِۂٱ سًٱرعتُ إلى فُتُحً حًقَيّبّتُۂٱ لتُخٌرجَ منٌۂٱ مٱ تُعطٌيّۂ لۂذٌۂ ٱلمسًكيّنٌة قَبّل أنٌ تُسًأل منٌۂٱ ذٌلك ، وِأخٌرجَتُ منٌۂٱ بّضع دُرٱۂم وِۂيّ على عجَل وِٱرتُبّٱك ، فُقَدُ أثًر عليّۂٱ منٌظٌر تُلك ٱلمنٌكوِدُة وِمدُتُ إليّۂٱ يّدُۂٱ بّٱلمٱل ، وِأشّٱعتُ ۂذٌۂ ٱلبّٱدُرة منٌ نٌقَٱء ٱلغّبّطٌة على وِجَۂ ٱلمرأة ٱلمسًكيّنٌة وِرفُعتُ رأسًۂٱ إلى ٱلسًمٱء وِكأنٌۂٱ تُدُعوِ لنٌقَٱء ، ثًم تُركتُۂٱ لتُكمل دُوِرتُۂٱ فُيّ أنٌحًٱء ٱلحًدُيّقَة. وِأطٌرقَتُ نٌقَٱء بّرأسًۂٱ وِۂيّ تُفُكر فُيّ ٱلبّؤسً ٱلذٌيّ كٱنٌ يّشّمل ۂذٌۂ ٱلأم ٱلمنٌكوِدُة ، وِلكنٌۂٱ ٱنٌتُبّۂتُ منٌ إطٌرٱقَتُۂٱ على صِوِتُ رجَل يّقَوِل :
ـ كم أنٌتُ كريّمة يّٱ ٱنٌسًة ؟ ۂل كٱنٌتُ ۂذٌۂ ٱلبّٱئسًة تُسًتُحًقَ أكثًر منٌ بّضعة قَروِشّ ؟‍‍!.
فُٱسًتُدُٱرتُ نٌحًوِ ٱلصِوِتُ لتُرى محًموِدُ ... وِأفُزعۂٱ أنٌ يّكوِۂ ۂذٌٱ ٱلرجَل قَدُ لٱحًقَۂٱ إلى ۂنٌٱك .. وِعلتُ وِجَۂۂٱ صِفُرة بّٱۂتُة وِلأوِل مرة شّعرتُ بّٱلخٌوِفُ ، فُقَدُ كٱنٌتُ تُعلل لقَٱءۂ لۂٱ فُيّ ٱلمنٌتُزۂ بّمجَردُ مصِٱدُفُة ، وِلكنٌ ٱلآنٌ ... وِتُلفُتُتُ حًوِلۂٱ كأنٌۂٱ تُريّدُ أنٌ تُسًتُنٌجَدُ بّأحًدُ .. وِلكنٌۂٱ ٱطٌمأنٌتُ إلى حًدُ مٱ .. حًيّنٌمٱ رأتُ أنٌ ٱلحًدُيّقَة مليّئة بّٱلروِٱدُ وِإنٌۂٱ ليّسًتُ وِحًدُۂٱ أمٱم ۂذٌٱ ٱلملحًٱحً ... فُٱنٌتُفُضتُ وِٱقَفُة وِقَٱلتُ بّصِوِتُ قَوِيّ لثًقَتُۂٱ بّنٌفُسًۂٱ :
ـ أمٱ ٱحًتُفُظٌتُ بّنٌصِيّحًتُك لنٌفُسًك ، وِۂلٱً عرفُتُ أنٌك تُتُطٌفُل بّأسًلوِبّ رخٌيّصِ ؟!
وِۂنٌٱ صِمم محًموِدُ أنٌ يّخٌرجَ منٌ ٱلتُلميّحً إلى ٱلتُصِريّحً ، وِأنٌ يّنٌۂيّ ۂذٌۂ ٱلمنٌٱوِرٱتُ ٱلمملة ، فُقَدُ أعيّٱۂ ٱلتُردُدُ وِٱلشّك ، فُقَٱل : ـ أنٌٱ لٱ أتُطٌفُل مطٌلقَٱً ، وِإنٌمٱ أنٌٱ فُيّ ٱلوِٱقَع ...
وِأرٱدُ أنٌ يّقَوِل : « أسًٱوِم » ، وِلكنٌ نٌظٌرٱتُ نٌقَٱء ٱلملتُۂبّة منٌعتُۂ منٌ إتُمٱم جَملتُۂ ، فُردُدُ قَٱئلٱً :
ـ فُيّ ٱلوِٱقَع ... فُيّ ٱلوِٱقَع ...
فُصِٱحًتُ بّۂ نٌقَٱء قَٱئلة :
ـ إذٌٱً فُمٱذٌٱ تُسًميّ فُضوِلك ۂذٌٱ يّٱ رجَل ؟ أنٌتُ رجَل غّريّبّ لٱ أعرفُ عنٌك حًتُى ٱسًمك ... فُكيّفُ تُسًمحً لنٌفُسًك أنٌ تُتُدُخٌل فُيّ شّؤوِنٌيّ ٱلخٌٱصِة ؟!.
ـ وِلكنٌيّ ... أعرفُ ...
وِمرة أخٌرى لم يّسًتُطٌع أنٌ يّكمل جَملتُۂ ، فُقَدُ كٱنٌ يّنٌوِيّ أنٌ يّقَوِل : لكنٌيّ أعرفُ عنٌك كل شّيّء ... وِلكنٌ منٌظٌر نٌقَٱء وِۂيّ فُيّ ثًوِرتُۂٱ تُلك ، جَعلتُۂ لٱ يّجَرؤ على ٱلتُصِريّحً ، فُسًكتُ أيّضٱً ... وِٱحًسًتُ نٌقَٱء أنٌ عليّۂٱ أنٌ لٱ تُدُع ۂذٌٱ ٱلرجَل قَبّل أنٌ تُلقَنٌۂ دُرسًٱً لٱ يّنٌسًٱۂ ، فُصِرخٌتُ بّۂ قَٱئلة :
ـ مٱ لك لٱ تُسًتُطٌيّع أنٌ تُتُكلم ؟ أوِ ليّسً ٱلمٱل قَٱدُرٱً أنٌ يّطٌلقَ عقَدُة لسًٱنٌك ؟! ٱلوِيّل لك منٌ ٱلدُرك ٱلذٌيّ أنٌزلك ٱلمٱل إليّۂ ... ٱرجَع إلى نٌفُسًك ، وِٱنٌقَذٌۂٱ قَبّل فُوِٱتُ ٱلأوِٱنٌ ، فُلعل ۂنٌٱك فُيّ صِميّم روِحًك نٌقَطٌة منٌ خٌيّر .. حًٱوِل أنٌ تُنٌحًيّ بّريّقَ ٱلذٌۂبّ منٌ أمٱمك عيّنٌيّك ، لتُرى ٱلحًيّٱة ٱلحًرة ٱلشّريّفُة كيّفُ تُكوِنٌ ...
فُخٌفُض محًموِدُ رأسًۂ وِقَٱل :
ـ أنٌٱ مسًتُعدُ لتُحًقَيّقَ جَميّع شّروِطٌك وِإنٌجَٱز كل رغّبّٱتُك ، فُإنٌ ثًروِتُيّ تُفُوِقَ ثًروِٱتُ ٱلآخٌريّنٌ بّمرٱتُبّ ...
وِصِعقَتُ نٌقَٱء لۂذٌۂ ٱلكلمٱتُ ، وِلم يّسًعۂٱ إلٱ أنٌ تُصِرخٌ فُيّۂ :
ـ يّٱ لك منٌ رجَل ... مع منٌ تُظٌنٌ أنٌك تُتُكلم ؟ وِأيّ فُكرة شّيّطٌٱنٌيّة أوِحًتُ إليّك بّذٌلك ؟ كنٌتُ آمل فُيّ إصِلٱحًك أوِل ٱلأمر ، أمٱ ٱلآنٌ فُإنٌك لسًتُ أۂلٱً للٱصِلٱحً ، فُٱذٌۂبّ إلى حًيّثً يّقَوِدُك شّيّطٌٱنٌك ، وِلكنٌ شّخٌصِ طٌريّقَك جَيّدُٱً بّعدُ ٱلآنٌ ، وِفُيّ ٱلمرٱتُ ٱللٱحًقَة ، فُوِربّيّ لوِلٱ ۂذٌۂ ٱلمسًكيّنٌة ٱلتُيّ أرى خٌٱتُم خٌطٌوِبّتُۂٱ حًوِل أصِبّعك لسًلمتُك ٱلآنٌ إلى أيّدُيّ ٱلشّرطٌة ، وِلكنٌ تُلك ٱلمسًكيّنٌة مٱ ذٌنٌبّۂٱ إذٌٱ كٱنٌ زوِجَۂٱ أحًدُ ذٌئٱبّ ٱلبّشّر !! وِلۂذٌٱ فُأنٌٱ لٱ أريّدُ أنٌ أسًبّبّ لۂٱ فُضيّحًة ...
وِتُۂدُجَ صِوِتُ نٌقَٱء فُلم تُسًتُطٌع أنٌ تُتُكلم أكثًر منٌ ذٌلك ، فُٱسًتُدُٱرتُ ، وِتُوِجَۂتُ نٌحًوِ بّٱبّ ٱلخٌروِجَ.
أمٱ محًموِدُ فُقَدُ غّيّر مجَلسًۂ وِجَلسً فُيّ ٱلطٌرفُ ٱلآخٌر منٌ ٱلحًدُيّقَة ، وِلكنٌۂ لٱحًظٌ أنٌ ٱلمرأة ٱلمنٌكوِدُة ٱلتُيّ كٱنٌتُ تُسًتُعطٌيّ قَدُ تُوِقَفُتُ قَليّلٱً أمٱم ٱلكرسًيّ ٱلذٌيّ كٱنٌتُ تُجَلسً عليّۂ نٌقَٱء ، ثًم ٱنٌحًنٌتُ وِٱلتُقَطٌتُ شّيّئٱً منٌ ٱلأرض وِأخٌفُتُۂ فُيّ قَبّضة يّدُۂٱ ، فُرأى أنٌ ٱلفُرصِة قَدُ وِٱتُتُۂ للٱحًتُكٱك بّنٌقَٱء مرة أخٌرى ، نٌۂض منٌ مجَلسًۂ نٌحًوِ ٱلمرأة ٱلمسًكيّنٌة وِۂوِ يّصِرخٌ فُيّۂٱ قَٱئلٱً :
ـ دُعيّ مٱ أخٌذٌتُيّۂ يّٱ سًٱرقَة.
وِحًٱوِلتُ ٱلمسًكيّنٌة أنٌ تُفُر ، وِلكنٌ صِوِتُ محًموِدُ كٱنٌ قَدُ جَميّع حًوِلۂٱ جَميّعٱً منٌ ٱلنٌٱسً ، وِفُتُحً محًموِدُ يّدُۂٱ عنٌوِة ليّجَدُ فُيّۂٱ قَرطٌٱً منٌ ٱلمٱسً ٱلثًميّنٌ ، فُٱلتُفُتُ ٱلسًٱقَيّ وِۂوِ يّقَوِل :
ـ إسًرع بّٱسًتُدُعٱء ٱلٱنٌسًة ٱلتُيّ كٱنٌتُ تُجَلسً ۂنٌٱك ، فُإنٌ ۂذٌٱ ٱلقَرطٌ يّعوِدُ إليّۂٱ بّلٱ شّك.
وِٱسًرع ٱلسًٱقَيّ لٱسًتُدُعٱء نٌقَٱء ، فُجَٱءتُ لتُرى ٱلمرأة ٱلمنٌكوِدُة وِقَدُ ٱحًيّطٌتُ بّعشّرٱتُ منٌ ٱلنٌٱسً وِۂم يّوِزعوِنٌ عليّۂٱ ٱلشّتُٱئم وِٱلسًبّٱبّ وِيّحًٱوِلوِنٌ أخٌذٌۂٱ إلى مركز ٱلشّرطٌة ، وِٱتُجَۂتُ نٌظٌرٱتُ ٱلمرأة ٱلمسًكيّنٌة نٌحًوِ نٌقَٱء ، وِۂيّ تُعلم أنٌ ٱلقَرطٌ يّعوِدُ إليّۂٱ ، وِلذٌلك فُقَدُ قَرأتُ نٌقَٱء فُيّ نٌظٌرٱتُۂٱ معنٌى ٱلٱسًتُرحًٱم وِٱلخٌوِفُ وِٱلٱسًتُعطٌٱفُ ، وِكٱنٌتُ ٱلمنٌكوِدُة تُرتُعدُ كريّشّة فُيّ مۂبّ ٱلريّحً ، حًتُى أنٌۂٱ لم تُعدُ تُتُمكنٌ منٌ إمسًٱك طٌفُلۂٱ ، فُتُعلقَ بّعنٌقَۂٱ وِۂوِ يّضجَ بّٱلبّكٱء ، فُتُسًٱءلتُ نٌقَٱء : مٱ ٱلخٌبّر ؟... فُٱرتُفُعتُ ٱلأصِوِٱتُ وِۂيّ تُردُدُ : إنٌۂٱ سًٱرقَة ، سًرقَتُ قَرطٌك ٱلمٱسًيّ . فُتُقَدُمتُ نٌقَٱء نٌحًوِ ٱلمرأة ، وِكٱنٌتُ لٱ تُزٱل متُمسًكة بّٱلقَرطٌ فُيّ قَبّضة يّدُۂٱ ، فُأمسًكتُ بّيّدُۂٱ فُيّ لطٌفُ وِقَٱلتُ بّنٌغّمة عذٌبّة رقَيّقَة :
ـ أريّنٌيّ ٱلقَرطٌ يّٱ أخٌتُٱۂ.
وِلم يّسًع ٱلمرأة أنٌ تُمتُع أمٱم لۂجَة نٌقَٱء ٱلعٱطٌفُيّة فُفُتُحًتُ يّدُۂٱ وِألقَتُ نٌظٌرة على ٱلقَرطٌ ثًم رفُعتُ رأسًۂٱ وِقَٱلتُ :
ـ إنٌۂ كٱنٌ قَرطٌيّ وِلكنٌيّ أعطٌيّتُۂ لۂٱ ، فُۂيّ ليّسًتُ سًٱرقَة أبّدُٱً.
فُظٌۂرتُ علٱمٱتُ ٱلدُۂشّة على ٱلمجَتُمعيّنٌ . وِكٱنٌتُ يّدُ ٱلمرأة ٱلمسًكيّنٌة لٱ تُزٱل مفُتُوِحًة وِفُيّۂٱ أحًدُ ٱلقَرطٌيّنٌ ، فُعٱدُتُ نٌقَٱء وِأطٌبّقَتُ يّدُۂٱ على ٱلقَرطٌ وِقَٱلتُ :
ـ إنٌۂ ملكك يّٱ ٱخٌتُٱۂ ، فُتُعٱليّ وِٱخٌرجَيّ منٌ ٱلحًدُيّقَة.
فُتُۂٱوِتُ ٱلمسًكيّنٌة على أقَدُٱم نٌقَٱء تُريّدُ أنٌ تُبّللۂٱ بّدُموِع ٱلنٌدُم وِٱلشّكر ، وِلكنٌ نٌقَٱء أنٌۂضتُۂٱ وِۂيّ تُقَوِل :
ـ قَوِميّ يّٱ ٱخٌتُٱۂ ، أنٌٱ لم أقَم إلٱ بّأقَل ٱلوِٱجَبّ ، لم يّكنٌ لدُيّ مٱ أقَدُمۂ لك فُقَدُمتُ قَرطٌيّ ، ۂيّٱ وِٱتُركيّ ٱلمحًل يّٱ ٱخٌتُٱۂ.
ثًم أخٌذٌتُ بّيّدُۂٱ وِجَرتُۂٱ نٌحًوِ ٱلبّٱبّ ، وِٱلجَميّع يّتُٱبّعوِنٌۂٱ بّنٌظٌرٱتُ ٱلٱسًتُغّرٱبّ.
أمٱ محًموِدُ فُقَدُ تُبّعۂٱ بّنٌفُسًۂ ، وِۂوِ لٱ يّكٱدُ يّصِدُقَ مٱ رآۂ ، وِفُيّ خٌٱرجَ ٱلحًدُيّقَة أبّصِر نٌقَٱء تُجَر ٱلمرأة ٱلمسًكيّنٌة إلى ركنٌ فُيّ ٱلشّٱرع ، وِتُخٌرجَ ٱلقَرطٌ ٱلثًٱنٌيّ منٌ حًقَيّبّتُۂٱ وِتُقَدُمۂ لۂٱ ، وِۂيّ تُتُكلم بّكلٱم لم يّتُمكنٌ أنٌ يّسًمعۂ ، وِلكنٌۂ رأى ٱبّتُسًٱمة ملٱئكيّة كٱنٌتُ تُلوِحً على وِجَۂ نٌقَٱء وِۂيّ تُفُعل ذٌلك ، ثًم رآۂٱ تُۂز يّدُ ٱلمرأة مصِٱفُحًة قَبّل أنٌ تُسًتُقَل « ٱلٱمٱنٌة »... وِذٌۂل محًموِدُ وِكٱدُ يّظٌنٌ أنٌۂ فُيّ حًلم ، فُۂوِ لٱ يّصِدُقَ أنٌ فُتُٱة تُعرض نٌفُسًۂٱ للمسًٱوِمة ، تُقَفُ ۂذٌٱ ٱلموِقَفُ ٱلنٌبّيّل ، وِإنٌ ٱلمرأة ٱلتُيّ تُتُصِيّدُ ٱلمٱل تُتُنٌٱزل عنٌ قَرطٌيّۂٱ ٱلمٱسًيّيّنٌ بّۂذٌۂ ٱلسًۂوِلة وِبّدُٱفُع منٌ ٱلرحًمة.
وِٱسًتُقَل سًيّٱرتُۂ وِۂوِ غّٱرقَ فُيّ خٌضم ٱلأفُكٱر ، وِكٱنٌتُ أفُكٱرۂ مشّوِشّة مخٌتُلطٌة ، وِفُيّ ٱلبّيّتُ أغّلقَ عليّۂ بّٱبّ غّرفُتُۂ لكيّ لٱ يّكدُر تُفُكيّرۂ أحًدُ ، وِأخٌذٌ يّرٱجَع تُصِرفُٱتُ نٌقَٱء وِيّسًتُعيّدُ كلمٱتُۂٱ وِعبّٱرٱتُۂٱ وِيّتُمثًل لۂجَتُۂٱ ٱلصِٱدُقَة وِأسًلوِبّۂٱ ٱلوِٱضحً ٱلمسًتُقَيّم ، وِتُذٌكر نٌظٌرٱتُۂٱ ٱلنٌٱريّة وِصِوِتُۂٱ ٱلمتُۂدُجَ ... وِلم يّسًعۂ بّعدُ ذٌلك إلٱ أنٌ يّعتُرفُ بّأنٌ ۂذٌۂ ٱموِر لٱ يّمكنٌ أنٌ تُكوِنٌ مصِطٌنٌعة أوِ مزيّفُة ، وِلٱبّدُ أنٌ يّكوِنٌ قَدُ وِقَع ۂوِ نٌفُسًۂ فُيّ خٌطٌأ فُظٌيّع...
وِلم يّتُمكنٌ محًموِدُ أنٌ يّصِرفُ فُكرۂ عنٌ حًٱدُثًة ٱلقَرطٌ ، فُقَدُ قَلبّتُ ۂذٌۂ ٱلحًٱدُثًة مفُٱۂيّمۂ ، وِفُتُحًتُ أمٱمۂ آفُٱقَٱً جَدُيّدُة لم يّكنٌ يّعرفُۂٱ أوِ يّعتُرفُ بّوِجَوِدُۂٱ أيّضٱً ... وِشّعر أنٌ فُيّ ٱلحًيّٱة معٱنٌ سًٱميّة كٱنٌتُ خٌٱفُيّة عليّۂ ... وِإنٌ فُيّ ۂذٌۂ ٱلمعٱنٌيّ روِعة لٱ متُنٌٱۂيّة ، تُفُوِقَ جَميّع مٱ صِٱدُفُۂ فُيّ حًيّٱتُۂ منٌ روِٱئع مصِطٌنٌعة وِأحًسً بّٱلوِضٱعة وِۂوِ يّتُمثًل موِقَفُۂ منٌ ٱلفُتُٱة ، وِۂوِ يّحًشّوِ كلمٱتُۂ ٱلجَوِفُٱء بّذٌكر ٱلثًروِة وِٱلمٱل ، فُيّ ٱلوِقَتُ ٱلذٌيّ لٱ يّۂمۂٱ فُيّۂ أنٌ تُتُنٌٱزل عنٌ قَرطٌيّۂٱ ٱلمٱسًيّيّنٌ فُيّ سًبّيّل ٱلتُسًتُر على ٱمرأة فُقَيّرة منٌكوِدُة ، وِتُذٌكر ٱلٱبّتُسًٱمة ٱلملٱئكيّة ٱلتُيّ كٱنٌتُ مطٌبّوِعة على وِجَۂۂٱ وِۂيّ تُسًلم ٱلقَرطٌ ٱلثًٱنٌيّ ... فُردُدُ يّحًدُثً نٌفُسًۂ قَٱئلٱً : حًقَٱً لسًتُ أنٌٱ غّيّر رجَل تُٱفُۂ فُيّ ٱلحًيّٱة ... مٱ أحًلى أنٌ يّشّعر ٱلٱنٌسًٱنٌ بّشّعوِر ٱلخٌيّر ، وِيّحًسً بّلذٌة عمل ٱلمعروِفُ ... فُۂوِ لم يّكنٌ يّظٌنٌ قَبّل ٱلآنٌ أنٌ لأمثًٱل ۂذٌۂ ٱلفُتُٱة وِجَوِدُٱً وِٱقَعيّٱً ، كٱنٌ يّعتُقَدُ أنٌ ٱلخٌيّر وِٱلفُضيّلة ليّسً لۂمٱ وِجَوِدُ إلٱ فُيّ أذٌۂٱنٌ ٱلمفُكريّنٌ ... وِليّسًتُ سًوِى مفُٱۂيّم خٌيّٱليّة لٱ يّمكنٌ لۂٱ أنٌ تُظٌۂر إلى حًيّز ٱلوِجَوِدُ...


ٱلأميّرٱل

 
ٱلفُصِل ٱلتُٱسًع عشّر

blank.gif
كانت رسائل إبراهيم لا تفتأ تصل إلى نقاء في نهاية كل أسبوع ، وكانت جميع رسائله تحمل معها الأمل في إسراعه بالعودة وتقليص مدة الفراق .. وكانت نقاء قد تجنبت الذهاب إلى المنتزه بعد تكرر مصادفة محمود هناك ، ولكنها في أحد الأيام أحست بحاجتها إلى الترفيه والتنزه ، فقصدت إلى حدائق الغوطة وهي على اطمئنان من أنها ستكون في منجاة من تطفل ذاك الرجل الفضولي هناك ، فلابد أنه من رواد ذاك المنتزه بالخصوص ، وفي الحدائق لفت نظرها منظر امرأة شابة ، مهلهلة الثياب ، بادية الشحوب ، ذابلة الأجفان ، وهي تحمل على يدها طفلاً لا تكاد ملابسه الممزقة تستر جسمه الهزيل ، وكان منظر هذه المرأ يجسد البؤس والفاقة في أجلى مظاهرهما ، وهي تدور على الجالسين تستدر عطفهم ليجودوا عليها ببعض النقود... وعندما لاحظت نقاء أنها تتقدم نحوها سارعت إلى فتح حقيبتها لتخرج منها ما تعطيه لهذه المسكينة قبل أن تسأل منها ذلك ، وأخرجت منها بضع دراهم وهي على عجل وارتباك ، فقد أثر عليها منظر تلك المنكودة ومدت إليها يدها بالمال ، وأشاعت هذه البادرة من نقاء الغبطة على وجه المرأة المسكينة ورفعت رأسها إلى السماء وكأنها تدعو لنقاء ، ثم تركتها لتكمل دورتها في أنحاء الحديقة. وأطرقت نقاء برأسها وهي تفكر في البؤس الذي كان يشمل هذه الأم المنكودة ، ولكنها انتبهت من إطراقتها على صوت رجل يقول :
blank.gif
ـ كم أنت كريمة يا انسة ؟ هل كانت هذه البائسة تستحق أكثر من بضعة قروش ؟‍‍!.
blank.gif
فاستدارت نحو الصوت لترى محمود ... وأفزعها أن يكوه هذا الرجل قد لاحقها إلى هناك .. وعلت وجهها صفرة باهتة ولأول مرة شعرت بالخوف ، فقد كانت تعلل لقاءه لها في المنتزه بمجرد مصادفة ، ولكن الآن ... وتلفتت حولها كأنها تريد أن تستنجد بأحد .. ولكنها اطمأنت إلى حد ما .. حينما رأت أن الحديقة مليئة بالرواد وإنها ليست وحدها أمام هذا الملحاح ... فانتفضت واقفة وقالت بصوت قوي لثقتها بنفسها :
blank.gif
ـ أما احتفظت بنصيحتك لنفسك ، وهلاً عرفت أنك تتطفل بأسلوب رخيص ؟!
blank.gif
وهنا صمم محمود أن يخرج من التلميح إلى التصريح ، وأن ينهي هذه المناورات المملة ، فقد أعياه التردد والشك ، فقال :
ـ أنا لا أتطفل مطلقاً ، وإنما أنا في الواقع ...
blank.gif
وأراد أن يقول : « أساوم » ، ولكن نظرات نقاء الملتهبة منعته من إتمام جملته ، فردد قائلاً :
blank.gif
ـ في الواقع ... في الواقع ...
blank.gif
فصاحت به نقاء قائلة :
blank.gif
ـ إذاً فماذا تسمي فضولك هذا يا رجل ؟ أنت رجل غريب لا أعرف عنك حتى اسمك ... فكيف تسمح لنفسك أن تتدخل في شؤوني الخاصة ؟!.
blank.gif
ـ ولكني ... أعرف ...
blank.gif
ومرة أخرى لم يستطع أن يكمل جملته ، فقد كان ينوي أن يقول : لكني أعرف عنك كل شيء ... ولكن منظر نقاء وهي في ثورتها تلك ، جعلته لا يجرؤ على التصريح ، فسكت أيضاً ... واحست نقاء أن عليها أن لا تدع هذا الرجل قبل أن تلقنه درساً لا ينساه ، فصرخت به قائلة :
blank.gif
ـ ما لك لا تستطيع أن تتكلم ؟ أو ليس المال قادراً أن يطلق عقدة لسانك ؟! الويل لك من الدرك الذي أنزلك المال إليه ... ارجع إلى نفسك ، وانقذها قبل فوات الأوان ، فلعل هناك في صميم روحك نقطة من خير .. حاول أن تنحي بريق الذهب من أمامك عينيك ، لترى الحياة الحرة الشريفة كيف تكون ...
فخفض محمود رأسه وقال : 0
blank.gif
ـ أنا مستعد لتحقيق جميع شروطك وإنجاز كل رغباتك ، فإن ثروتي تفوق ثروات الآخرين بمراتب ...
blank.gif
وصعقت نقاء لهذه الكلمات ، ولم يسعها إلا أن تصرخ فيه :
blank.gif
ـ يا لك من رجل ... مع من تظن أنك تتكلم ؟ وأي فكرة شيطانية أوحت إليك بذلك ؟ كنت آمل في إصلاحك أول الأمر ، أما الآن فإنك لست أهلاً للاصلاح ، فاذهب إلى حيث يقودك شيطانك ، ولكن شخص طريقك جيداً بعد الآن ، وفي المرات اللاحقة ، فوربي لولا هذه المسكينة التي أرى خاتم خطوبتها حول أصبعك لسلمتك الآن إلى أيدي الشرطة ، ولكن تلك المسكينة ما ذنبها إذا كان زوجها أحد ذئاب البشر !! ولهذا فأنا لا أريد أن أسبب لها فضيحة ...
blank.gif
وتهدج صوت نقاء فلم تستطع أن تتكلم أكثر من ذلك ، فاستدارت ، وتوجهت نحو باب الخروج.
blank.gif
أما محمود فقد غير مجلسه وجلس في الطرف الآخر من الحديقة ، ولكنه لاحظ أن المرأة المنكودة التي كانت تستعطي قد توقفت قليلاً أمام الكرسي الذي كانت تجلس عليه نقاء ، ثم انحنت والتقطت شيئاً من الأرض وأخفته في قبضة يدها ، فرأى أن الفرصة قد واتته للاحتكاك بنقاء مرة أخرى ، نهض من مجلسه نحو المرأة المسكينة وهو يصرخ فيها قائلاً :
blank.gif
ـ دعي ما أخذتيه يا سارقة.
blank.gif
وحاولت المسكينة أن تفر ، ولكن صوت محمود كان قد جميع حولها جميعاً من الناس ، وفتح محمود يدها عنوة ليجد فيها قرطاً من الماس الثمين ، فالتفت الساقي وهو يقول :
blank.gif
ـ إسرع باستدعاء الانسة التي كانت تجلس هناك ، فإن هذا القرط يعود إليها بلا شك.
blank.gif
واسرع الساقي لاستدعاء نقاء ، فجاءت لترى المرأة المنكودة وقد احيطت بعشرات من الناس وهم يوزعون عليها الشتائم والسباب ويحاولون أخذها إلى مركز الشرطة ، واتجهت نظرات المرأة المسكينة نحو نقاء ، وهي تعلم أن القرط يعود إليها ، ولذلك فقد قرأت نقاء في نظراتها معنى الاسترحام والخوف والاستعطاف ، وكانت المنكودة ترتعد كريشة في مهب الريح ، حتى أنها لم تعد تتمكن من إمساك طفلها ، فتعلق بعنقها وهو يضج بالبكاء ، فتساءلت نقاء : ما الخبر ؟... فارتفعت الأصوات وهي تردد : إنها سارقة ، سرقت قرطك الماسي . فتقدمت نقاء نحو المرأة ، وكانت لا تزال متمسكة بالقرط في قبضة يدها ، فأمسكت بيدها في لطف وقالت بنغمة عذبة رقيقة :
blank.gif
ـ أريني القرط يا أختاه.
ولم يسع المرأة أن تمتع أمام لهجة نقاء العاطفية ففتحت يدها وألقت نظرة على القرط ثم رفعت رأسها وقالت :
blank.gif
ـ إنه كان قرطي ولكني أعطيته لها ، فهي ليست سارقة أبداً.
blank.gif
فظهرت علامات الدهشة على المجتمعين . وكانت يد المرأة المسكينة لا تزال مفتوحة وفيها أحد القرطين ، فعادت نقاء وأطبقت يدها على القرط وقالت :
blank.gif
ـ إنه ملكك يا اختاه ، فتعالي واخرجي من الحديقة.
blank.gif
فتهاوت المسكينة على أقدام نقاء تريد أن تبللها بدموع الندم والشكر ، ولكن نقاء أنهضتها وهي تقول :
blank.gif
ـ قومي يا اختاه ، أنا لم أقم إلا بأقل الواجب ، لم يكن لدي ما أقدمه لك فقدمت قرطي ، هيا واتركي المحل يا اختاه.
blank.gif
ثم أخذت بيدها وجرتها نحو الباب ، والجميع يتابعونها بنظرات الاستغراب.
blank.gif
أما محمود فقد تبعها بنفسه ، وهو لا يكاد يصدق ما رآه ، وفي خارج الحديقة أبصر نقاء تجر المرأة المسكينة إلى ركن في الشارع ، وتخرج القرط الثاني من حقيبتها وتقدمه لها ، وهي تتكلم بكلام لم يتمكن أن يسمعه ، ولكنه رأى ابتسامة ملائكية كانت تلوح على وجه نقاء وهي تفعل ذلك ، ثم رآها تهز يد المرأة مصافحة قبل أن تستقل « الامانة »... وذهل محمود وكاد يظن أنه في حلم ، فهو لا يصدق أن فتاة تعرض نفسها للمساومة ، تقف هذا الموقف النبيل ، وإن المرأة التي تتصيد المال تتنازل عن قرطيها الماسيين بهذه السهولة وبدافع من الرحمة.
blank.gif
واستقل سيارته وهو غارق في خضم الأفكار ، وكانت أفكاره مشوشة مختلطة ، وفي البيت أغلق عليه باب غرفته لكي لا يكدر تفكيره أحد ، وأخذ يراجع تصرفات نقاء ويستعيد كلماتها وعباراتها ويتمثل لهجتها الصادقة وأسلوبها الواضح المستقيم ، وتذكر نظراتها النارية وصوتها المتهدج ... ولم يسعه بعد ذلك إلا أن يعترف بأن هذه امور لا يمكن أن تكون مصطنعة أو مزيفة ، ولابد أن يكون قد وقع هو نفسه في خطأ فظيع...
blank.gif
ولم يتمكن محمود أن يصرف فكره عن حادثة القرط ، فقد قلبت هذه الحادثة مفاهيمه ، وفتحت أمامه آفاقاً جديدة لم يكن يعرفها أو يعترف بوجودها أيضاً ... وشعر أن في الحياة معان سامية كانت خافية عليه ... وإن في هذه المعاني روعة لا متناهية ، تفوق جميع ما صادفه في حياته من روائع مصطنعة وأحس بالوضاعة وهو يتمثل موقفه من الفتاة ، وهو يحشو كلماته الجوفاء بذكر الثروة والمال ، في الوقت الذي لا يهمها فيه أن تتنازل عن قرطيها الماسيين في سبيل التستر على امرأة فقيرة منكودة ، وتذكر الابتسامة الملائكية التي كانت مطبوعة على وجهها وهي تسلم القرط الثاني ... فردد يحدث نفسه قائلاً : حقاً لست أنا غير رجل تافه في الحياة ... ما أحلى أن يشعر الانسان بشعور الخير ، ويحس بلذة عمل المعروف ... فهو لم يكن يظن قبل الآن أن لأمثال هذه الفتاة وجوداً واقعياً ، كان يعتقد أن الخير والفضيلة ليس لهما وجود إلا في أذهان المفكرين ... وليست سوى مفاهيم خيالية لا يمكن لها أن تظهر إلى حيز الوجود...



ٱلأميّرٱل

 
الفصل العشرون

رجع محمود إلى داره وهو يتلذذ بيقظة انسانيته ... حقاً أنه كان يشعر بالندم منذ اللقاء الأخير مع نقاء ، وحقاً أنه تعذب كثيراً قبل أن يراها ويطلب منها العفو ، وحقاً أنه طيلة أسابيع ثلاثة كان منصرفاً عن مجونه وعبثه .. يفكر في الفتاة التي أساء إليها إساءة فظيعة قبل أن يعرف أنها ملاك طاهر وروح عذبة ... ولكنه في ذلك اليوم كان يحس بشعور لم يحسه من قبل ، وكان يستعيد كلمات نقاء في ذهنه دون أن يتعمد ذلك ، وكان كمن أخذ يستيقظ من سبات عميق ... وود لو طال به المقام مع نقاء فقد حسسته بأفكارها وآرائها ... وأرق في تلك الليلة وهو يقلب في ذهنه ما قالته ... ويحاول أن يركز أفكاره عند كل نقطة من كلماتها وألفاظها ، وشعر أنه مدين نحو تلك الفتاة بهذا النور الذي أخذ يضيء جنبات روحه ، ففتش في جوانب قلبه : هل أنه يعشق تلك الفتاة أو يهواها ؟ ولكنه لم يجد للعشق في قلبه اثراً ، فالشعور الوحيد الذي يحسه نحوها هو شعور الاكبار والاعجاب فهو يود لو رآها مرات أخرى ولكن لا على حساب العشق والمتعة ، بل لأجل أن يستمد منها قوة وعزيمة ... وصمم على أن يستمر بتردده على المنتزه والحديقة حتى يعود فيلقاها ثانية.
blank.gif
وفي الصباح لم يبرح محمود غرفته مطلقاً ولم يسمح لأحد بالدخول عليه ، فقد كان يعيش في دوامة من الأفكار المتضاربة ، وقد أخذ يستعيد في فكره جميع مراحل حياته ، ويذكر ما الذي جناه من سلوكه وطريقته في الحياة ، وهاله أن يرى أنه لم يحصل على شيء سوى المال ، وحتى المال فلم يحصل عليه هو بنفسه أيضاً فقد ورثه عن أبيه وها هو قد بدد نصفه في مدة عشر سنوات ، وفكر في حاله بعد عشر سنين ، وبعد أن يبدد جميع أمواله على ملذاته وشهواته ، فما الذي سوف يتبقى لديه ... وراح يعدد في ذهنه كل ما قد يجنيه المرء في الحياة من العزة والكرامة والجاه والذكر الطيب والصديق الوفي والزوجة المخلصة . وكان جوابه عن كل هذه الأمور لا شيء ، فهو يعلم أن أصدقاءه لن يحاولوا النظر إلى وجهه إذا أفلس من المال ، وإن مكانته في المجتمع قد انعدمت تماماً ، بعد أن اعتزله وسط شلة من المنحرفين ، وإن كرامته قد أريقت على مذبح الشهوات ، وحتى زوجته ، فهي لن تقيم معه يوماً واحداً إذا تلاشت ثروته ... وهاله أنه توصل إلى هذه الحقيقة ، وألمه أن تكون سعادته منوطة بالمال حتى في حياته الزوجية ، فهو يعلم أن سعاد لا تحمل له في قلبها أي عاطفة ، ولا يشدها إليه إلا المال ... وود لو استطاع أن يهرب من هذه الافكار وأن يعود إلى غفلته الأولى التي كان سادراً فيها منذ سنوات ، ولكن مفاهيم نقاء وأفكارها كانت مسيطرة عليه بصورة لم تكن تمكنه من الفرار ، فهو كان يجهل قبل اليوم أن دنياه التي يعيش فيها تعمر بأمثال هذه الروحيات التي رأى عليها الفتاة ، أما الآن وقد وجد أمامه ما كان يظنه مثالياً أو أسطورياً ، فما عليه إلا أن يكونه ، فالأعمى الذي يرتد إليه بصره ، عليه أن يعمل ن ظره ولايركن إلى الظلام الذي كان يطبق عينيه من قبل ، وعجب أن تكون أفكاراً وليدة في ذهنه تتمكن أن تصارع أفكاراً عاش معها سنوات ، ولكنه عاد يقول : أنه منذ الآن بدأ يفكر ... أما ماضيه فقد كان خلواً من الفكر ، كان سطحياً ، لا يستند إلى جذور ... وشعر بحاسة ماسة إلى لقاء الفتاة مرة أخرى ، فهو يشعر بضيعته وسط مختلف التيارات ، وود لو عرف من تكون تلك الفتاة ليقصد بيتها ، ويستزيدها من الكلام ... وفجأة فكر في سعاد ، وفي السبب الذي دعاها أن تخدعه على هذه الصورة ، وتدفع به نحو هذه الفتاة الطاهرة ، ولم يتمكن أن يفهم لذلك سبباً ، أو يأتي بتبرير معقول ، سوى أن بعض مشاعر الحقد هي التي دفعتها إلى ذلك ، وعجب أن تحقد سعاد على تلك الفتاة وليست هي ممن يعيشون حياتها أو يرتادون مجتمعها ، ولكنه عاد ليقول : إن أحقاد سعاد لا تقف عند حد ، ولا تقتصر على أشخاص معدودين ... ولذ له أن يتخيل سعاد وهي تتحرق شوقاً لفهم النتيجة ، ولكنها لا تتمكن من السؤال ، وصمم على أن لا يدعها تتوصل إلى معرفة أي شيء مهما حاولت ذلك ، وفعلاً فقد غلف وجهه بغلاف لم تتمكن سعاد أن تصل من ورائه إلى الحقيقة ، وحاولت مراراً أن تستدرجه إلى الكلام ، ولكنه كان يروغ عن الحديث ، وقد أعجبه صموده هذا أمام سعاد ، فلم يكن ليعهد بنفسه المقدرة على ذلك من قبل . وآمل أنه سوف يتمكن أن يثبت كيانه الخاص أمامها في الحياة.



ٱلأميّرٱل



 
:: الفصل الحادي و العشريبن ::

رجعت نقاء إلى البيت وهي تشعر براحة نفسية ، وتحس أنها قد أدت واجبها الديني والأدبي تجاه ذلك الرجل ، وفي تلك الليلة كتبت إلى إبراهيم تفصيل الحادث وموقفها من الرجل الغريب ، وجاءها الجواب من إبراهيم وكان يمتدح فيه موقفها الشريف الواضح ، وقد كتب لها قائلاً : « ألم أقل لك أنك تتمكنين أن تجاهدي يا نقاء ! ألم أقل لك أن الجهاد ليس وقفاً على الحروب فقط ؟ فامضى في جهادك يا عزيزتي ! مكللة بالغار ، مجللة بأبراد العفة والفضيلة ... » وزاد هذا الجواب ثقة نقاء بنفسها ، واطمئنانها إلى سلوكها.
blank.gif
وفي مرة خرجت من البيت ، قاصدة زيارة خالة إبراهيم ، فقد كانت تكثر من التردد عليها في أيام غيبة إبراهيم. ووصلت نقاء إلى باب الدار وقرعت الجرس مراراً دون أن يرد عليها أحد ، واستغربت أن تكون خالتها قد خرجت من الدار وهي لا تخرج إلا لماماً ، فانتظرت لحظة ثم أعادت قرع الجرس ، وفي هذه المرة سمعت صوت حركة في الداخل ، وفي للحظة التي كانت تفتح فيها الباب ، برزت من جانب الشارع سيارة محمود ، ولكن نقاء لم تنتبه لذلك وأسرعت إلى الدخول ، أما محمود فقد أبصر بها لأول وهلة وصمم على أن لا يبرح الشارع ، حتى تخرج مرة أخرى ، سواء كان هذا بيتها أو كانت زائرة فيه ، وأطالت نقاء جلوسها هناك ، وفي تمام الساعة الثانية عشرة انصرفت من بيت خالتها ووقفت على رصيف الشارع تنتظر سيارة تقلها إلى البيت وفجأة وقفت أمامها . سيارة نزل منها محمود ، وراعها التغير الذي طرأ على هذا الرجل ، فقد كان يرتدي بلدة زرقاء غامقة لا يزينها أي شيء وشعره مردوداً إلى الوراء ببساطة ، كما أن الخصلات التي كانت تتدلى على جبينه قد اختفت ... وتأخرت نقاء خطوات ... ولكن محمود قال بصوت هاديء رصين :
blank.gif
ـ عفوك يا سيدتي ! إذا كنت قد أزعجتك برؤيتي ، لا تظني أني سوف أحاول أن أدعوك إلى الركوب معي في سيارتي ، أو أعرض عليك إيصالك إلى البيت ، أبداً... لن أقوم بشيء من هذا ، فأنا أعلم أنك سوف لن تلوثي طهرك بمصاحبتي ... ولكن أريد أن أحدثك فقط ...
blank.gif
وأسعد نقاء أن تجد هذا الرجل المغرور المتغطرس الذي لم يكن يتكلم إلا عن الثروة والمال وقد عاد إنساناً مهذباً ينطق صوته عن الصدق والاخلاص ، واحتارت ماذا تفعل... ولم تر بداً من أن تقول :
ـ وأي حديث تريد أن تحدثني به يا سيدي ؟!.
blank.gif
فتردد محمود لحظة ثم أجاب :
blank.gif
ـ أنا أخطأت التعبير ، فأنا لا أريد أن أتحدث .. ولكن أريد أن استمع ، فقد كان لكلماتك الماضية أعظم الأثر في روحي وفكري . نعم ، روحي التي وجدتها أخيراً.
blank.gif
ـ وعلى أي حال وجدت روحك يا سيدي ... أي شيء كانت تدعوك إليه ؟
blank.gif
ـ إلى الخير والصلاح ، والى انتشالي من حضيض الرذيلة وتجنيبي خطر الانحراف .
blank.gif
ـ ألم أقل لك أن روحك خيرة ؟... وأنك كنت تظلمها في الماضي.
blank.gif
ـ ليتني أكون على ثقة من ذلك.
blank.gif
ـ إن هذه المشاعر التي تحسها هي الدليل على ذلك.
blank.gif
وبدا وجه محمود وكأنه وجه طالب يؤدي الامتحان لأول مرة ، وتردد مدة ثم تمتم قائلاً :
blank.gif
ـ ولكنني ضائع لا محالة ...
blank.gif
ـ ولماذا تظن ذلك وتفكر فيه ؟! أنت الآن أبعد ما تكون عن الضياع ... فأنت منذ الآن موجود كما لم توجد من قبل ، إن حياتك الواقعية ابتدأت منذ وقعت على حقيقة روحك بين مختلف التيارات ، أنت لم تكن لتحيا في الواقع من قبل ، ولكن أموالك هي التي كانت تحيا وتحييك معها ، أما الآن فسوف تحيا أنت لا لتحيا الثروة وتعيش لتتصرف فيها لا تتصرف هي فيك ، أنت واقف على أبواب الحياة الواقعية لا الحياة المزيفة الضائعة.
blank.gif
وهنا مرت سيارة « الأمانة » فحاولت نقاء أن تركب فيها ولكن محمود توسل إليها قائلاً :
blank.gif
ـ لا ، ليس الآن .. لا زلت أطلب المزيد ، أنا بعيد العهد عن الحياة الحرة الكريمة ، غريق بمهاوي الضلال والفساد وأخشى أن لا تهبني هذه الكلمات القصار ، الصمود الكافي الذي أحتاجه في هذا الصراع.
blank.gif
قرأت نقاء أن عليها أن تجيبه إلى طلبه ، وإلا فستكون هي المتجنية عليه فقالت :
blank.gif
ـ أنت الآن قد اتجهت إلى الخير وتطلعت إلى أفق الكمال ، فما عليك إلا أن تقرأ الكتب المهذبة للروح والفكر والعقيدة.
blank.gif
ـ أرشديني إليها فأنا لا أعرف عن الكتب والكتّاب شيئاً ؟.
blank.gif
فأخذت نقاء تعدُّ له أسماء بعض الكتب ، وأرشدته إلى تتبع نتاج بعض الكتاب ، وظنت أن مهمتها قد انتهت ولكنه قال :
blank.gif
ـ ألا يمكن لي أن أعرف من يكون ملاكي الهادي لك أفزع نحوه عند كل مشكلة ؟ فحياتي معقدة مليئة بالمشاكل والآلام ولن أتمكن أن أسيرها كما أريد بسهولة.
blank.gif
فضحكت نقاء ضحكة قصيرة ثم هزت رأسها وهي تقول :
blank.gif
ـ أما هذا فلا...
blank.gif
ـ ولكن ...
blank.gif
ـ ولكن ماذا ؟!.
blank.gif
ـ اقصد أن شعوري نحوك لا يتعدى شعور الغريق نحو المنقذ ، والمريض نحو الطبيب ، أنا أنظر اليك كاشعاعة من رحمة أشرقت على جنبات روحي ، فهلا أرشدتيني إلى مطلع ذلك النور ؟
blank.gif
ومرة أخرى هزت رأسها بإصرار وقالت :
blank.gif
ـ لا ، إن هذا لن يكون ...
blank.gif
ـ ولماذا ؟!
blank.gif
ـ لأني لا أستقبل في بيتي رجالاً أجانب.
blank.gif
ـ أنا واثق من هذا ، ولكن عندي ما أقوله لك...
ـ أي شيء مثلاً ؟.
blank.gif
ـ مشاكلي الخاصة لا تتسع لنقلها وقفة على جانب الطريق.
blank.gif
ـ أنا آسفة ، ولكن ما في اليد حيلة.
blank.gif
ـ وأخيراً ؟.
blank.gif
ـ لا شيء...
blank.gif
ـ إذن فما الذي عليّ أن أعمل ؟.
blank.gif
ـ إقرأ الكتب التي دللتك عليها ، فإن فيها أكبر غذاء روحي ، يغنيك عن كل شيء.
blank.gif
وفي هذه اللحظة مرت « الأمانة » فركبت فيها متوجهة نحو البيت ... ووقف محمود يتابع سيارتها بنظره حتى اختفت في منعطف الطريق ، وعجب لنفسه كيف لم يحاول اللحاق بها في سيارته ليتعرف على بيتها ويعرف من تكون ، ولكن عاملاً غريباً منعه من ذلك وتساءل في حيرة : هل هذا الذي يعبر عنه بالشهامة أو الكرامة ؟.
blank.gif
وعلى كل حال فقد استقل سيارته ، وتوجه إلى سوق الكتب وحرص على أن يشتري كل كتاب ذكرته له نقاء ، ومؤلفات الكتاب الذين عددت أسماءهم ... ورجع إلى البيت وهو محمل بأنواع الكتب ... ورأته سعاد من نافذته وهو يدخل الدار ، وقد حمل في كاتا يديه لفافات ثقال ، وفكرت ما عسى أن تكون هذه اللفافات ؟... وخطر لها كل شيء عدا الكتب . وكانت قد لاحظت على زوجها تغييراً كلياً في الأيام الأخيرة ، وركوناً إلى العزلة والانفراد ، فلم يشهد ضمن هذه المدة أي احتفال ، بل ولم يذهب إلى أي مسرح من المسارح ، وكان دائم التفكير ، طويل الشرود ، ولم تتمكن سعاد أن تفهم لذلك سبباً ، فهي حتى ولو افترضت أن محمود قد فشل في محاولاته مع نقاء ... لم تكن ترى أن فشله يستوجب منه هذا التغيير الفجائي ، فطالما فشل في غزواته الغرامية من قبل ، وخطر لها أنه عاشق ... ولعل التي يعشقها هي نقاء . ولكنها عادت فاستبعدت أن يعشق محمود وهي تعهده سطحياً في جميع الأمور ...
blank.gif
وفي مرة استدعت سنية وكانت الأخيرة قد نحلت وظهر على وجهها شحوب باهت ، وسر سعاد أن تراها كذلك ، وهي التي طالما أشعلت في فؤادها نار الحقد والغيرة وصممت سعاد على أن تصارح سنية بكل شيء فقالت :
blank.gif
ـ لقد دعوتك يا سنية لكي أكون معك صريحة فصارحيني أنت أيضاً ولا تخفي عني شيئاً...
blank.gif
ـ وبماذا أصارحك يا سيدتي؟!.
blank.gif
ـ إن سيدك منذ أسابيع وحاله ليس على مايرام...
blank.gif
ـ من أي ناحية ؟
ـ أنا لا أحب منك التغابي... أنا أعلم موقفك من محمود وموقفه منك ، وأنت تعلمين أيضاً أنه زوجي ولي الحق في تتبع أحواله.
blank.gif
ـ تماماً كما تقولين يا سيدتي.
blank.gif
ـ طيب ... الآن أعود إلى كلامي الأول... ألم تلاحظي على محمود تغيراً في هذه الأسابيع ؟
blank.gif
ـ وكيف لا وقد تغير سيدي كثيراً.
blank.gif
ـ وما عساه يكون السبب ؟..
blank.gif
ـ .....
blank.gif
ـ أجيبي يا سنية ! فأنا لن أفوه أمام محمود بحرف واحد مما ستقولين ، اطمئني من هذه الناحية ، فليس من مصلحتي في شيء أن أخبره بأني كنت أتجسس عليه ، والآن ألا تعلمين من أمره شيئاً ؟.
blank.gif
ـ إذا أردت الحقيقة يا سيدتي ! فقد صادف ورأيت سيدي ...
blank.gif
وقطعت سعاد كلامها قائلة :
blank.gif
ـ عدت مرة أخرى إلى كلمات المداهنة ، لا تقولي صادف ، أنا أعرف أنك كنت تتابعين خطواته وتتجسسين عليه.
ـ نعم وقد رأيته في صحبة فتاة في إحدى المنتزهات ..
blank.gif
وهنا تحفزت سعاد وقالت :
blank.gif
ـ ما شكل هذه الفتاة ؟
blank.gif
ـ الواقع أني لم أصدق عيني حينما رأيتهما يا سيدتي ! فقد كانت فتاة وقوراً بريئة المظهر محتشمه الملبس ولكن...
blank.gif
ـ ولكن ماذا ؟
blank.gif
ـ عدت فرأيته معها ثانية وكانت تحدثه وهي مستندة إلى جذع شجرة وهو واقف أمامها يستمع.
blank.gif
ـ ألم تسمعي ما كانت تقول ؟.
blank.gif
ـ ومن أين لي أن أسمع وأنا خارج أسوار الحديقة... وفي مرة أخرى ...
blank.gif
وسكتت سنية ، لكن سعاد استحثتها على الكلام قائلة :
blank.gif
ـ وماذا في مرة أخرى ؟!.
blank.gif
ـ رأيته واقفاً معها على رصيف الشارع ، وكانت سيارته إلى جواره تنتظر...
blank.gif
وهل ركبت معه السيارة ؟
blank.gif
ـ لا أدري وإن كنت لا أشك في ذلك ، فقد خشيت أن أتأخر فيلحظني سيدي.

blank.gif
وأطرقت سعاد تفكر ، ثم رفعت رأسها وقالت :
blank.gif
ـ شكراً لك يا سنية ! والآن انصرفي واخبريني عن كل ما يجد في الأمر.
blank.gif
وشعرت سعاد بلذة الانتقام ، ونسيت كل شيء سوى فوزها بالتنكيل بإبراهيم . وظنت أن ساعة الانتقام منه قد دنت ، وما عليها إلا أن تزور إبراهيم بعد رجوعه لتهنئه بالعروس التي اختارها دون باقي الفتيات ، وتتلذذ بمرآه وقد جلله العار وحطمته خيانة نقاء ، ورأت أن الوقت لم يحن بعد لاسترداد محمود فلتدعه لنقاء مؤقتاً حتى يرجع إبراهيم ، فهي واثقة من جره إليها في أي حين وعليها هي أيضاً أن تلتفت نحو صلاح قبل أن يفلت من يدها نهائياً ، فقد كانت قد أهملته منذ الحفلة الأخيرة لانشغالها بالمهندس الشاب.


:msn-wink:
مع تحياتي :.الأميرال.:

 
:: الفصل الثاني و العشرين ::

عكف محمود على مطالعة الكتب التي اشتراها ، وكانت تفتح أمامه أبواباً كثيرة من المعرفة والثقافة الدينية والروحية ، وتنقله إلى عالم أوسع يحلق فيه بروحه سعيداً نشواناً ، ولم يكن ييأس من لقاء ملاكه الهادي مرة أخرى ، فهو يقضي جل أوقاته بين المنتزه والحدائق ، وكتابه معه أينما ذهب .. وفعلاً فقد صادفها في أحد الأيام وهي جالسة في ركنها القصي تطالع كعادتها دائماً ، فتقدم نحوها بخطى ثابتة وحيّاها بصوت هاديء ، فعرفت نقاء صوته فرفعت رأسها وردت تحيته باحترام فقال لها :
blank.gif
ـ أتسمح لي سيدتي بالجلوس على مقعد قريب لمحادثتها ؟
blank.gif
ـ ولم يسع نقاء إلا أن تقول :
blank.gif
ـ لك ذلك.
blank.gif
فجلس محمود وقال :
blank.gif
ـ أنا لا أريد أن أضيع هذه الدقائق عبثاً . لقد قرأت جل الكتب التي أرشدتيني إليها.
blank.gif
ـ بارك الله فيك ، كيف أنت بعد قراءتها ؟.
blank.gif
ـ أرى نفسي وكأني ولدت من جديد ، فقد تبدلت جميع مفاهيمي عن الحياة ... نعم لقد ولدت من جديد !.
blank.gif
ـ فلا تفكر إذن بعد اليوم في ماضيك ، واحرص على أن تحصر فكرك في مستقبلك وحياتك الجديدة.
blank.gif
ـ أنا أحاول أن انتزع نفسي من ماضيي ، وقد توصلت إلى كثير من ذلك ولكن...
blank.gif
ـ ولكن ماذا ؟.
blank.gif
ـ ولكن صاحبة هذا الخاتم الذي يطوق أصبعي ، والتي منعتك مرة دون أن تسلميني إلى يد البوليس هي التي تحول بيني وبين نسيان الماضي.
blank.gif
ـ آه !...
blank.gif
ـ نعم ، فحاضرها مرآة ماضيي.
blank.gif
ـ ألا يمكن أن تقوم هي أيضاً ؟
blank.gif
ـ مطلقاً فقد بعد بها الطريق ، ولم تتورع عن ارتكاب أي شيء.
حتى ... أقصد حتى...
blank.gif
ـ دعيني أقول ما تريدين قوله ، نعم حتى الخيانة الزوجية !
blank.gif
ـ آه!...
blank.gif
ـ إنها كالفراشة تنتقل إلى حيث شاءت ومتى رغبت.
blank.gif
ـ إلى هذا الحد !؟.
blank.gif
ـ نعم وأكثر...
blank.gif
ـ ولماذا لاتحاول التخلص منها ؟
blank.gif
وسكت محمود برهة ثم قال :
blank.gif
ـ لأني أحبها يا أخية ، وحبي لها هو الذي جعلني أمسك عليها طيلة هذه المدة.
blank.gif
ـ أنت غلطان يا أخي ، فأنت لا تحب زوجتك هذه أبداً ؟!
blank.gif
ـ وكيف ؟!
blank.gif
ـ إنك لو كنت تحبها حقاً ، لما أمكنك أن تسمح لها بتلك الأعمال ، ولكن شعورك نحوها ليس شعور حب ، بل أنه مجرد نزوة جسدية وشعور بالضعف أمام سلطانها عليك ، فأنت تحب دارك مثلاً ، فهل يمكنك أن تدع واحداً غريباً عنك لا يمت لك بصلة يسكنها وإياك ؟ وأنت تحب ثروتك ولا ريب ، فهل ترضى أن يشاركك فيها أحد ؟ أنت لا تحبها مطلقاً.
blank.gif
ـ فتش في نفسك عن الحب ، لترى أن الشعور الذي يشدك نحو هذه الزوجة هو أبعد ما يكون عنه ، فالحب لا يقوم مع الخيانة ، ولا يدوم في جو الرذيلة ، لأنه شيء مقدس لا يعمر إلا في القلوب الطاهرة والأرواح البريئة ، أنك لو طالعت نفسك لرأيت كيف أنك تمقتها بدلاً من أن تحبها وتتمنى الفرار منها ، وتؤثر البعد عنها للخلاص من سيطرتها على جسدك وتسخيرها لنزواتك.
blank.gif
ـ أنا أخشاها دائماً...
blank.gif
ـ إن هذا أحسن دليل يدلك على أنك غلطان في تقدير عواطفك نحوها ، فالمحب لا يخشى حبيبه ولا يخافه ، ولكن الخاضع يخشى من أخضعه ، والضعيف يخشى القوي ، كنت ضعيفاً أمامها قبل الآن ، أما الآن فإنك انت القوي وهي الضعيفة ، فإن قوة الشرف والايمان هي أسمى قوة في الانسان ، وأنت الآن مؤمن وشريف . فحاول أن تتخلص من أحابيلها ، راجع نفسك مرة أخرى لترى صدق ما أقول.
blank.gif
ـ أنا على يقين من أني لن أتمكن من أن أنزع الماضي ما دمت خاضعاً لسلطان هذه المرأة.
فتحرر من سلطانها إذن
blank.gif
ـ سوف أحاول ذلك مهما استطعت.
blank.gif
ـ حاول أولاً أن تصلحها ، فإذا فشلت فلا تدعها تلوث حياتك الحرة الشريفة...
blank.gif
ـ إن إصلاحها متعذر ، فهي قد استحالت إلى مجموعة من آثام وخطايا...
blank.gif
ـ إن المحاولة لن تخسرك شيئاً على كل حال ، فإذا عجزت حدد موقفك منها.
blank.gif
ـ فسكت محمود ، ثم قال بصوت خافت :
blank.gif
ـ هل لي أن أوجه إليك سؤالاً واحداً ؟
blank.gif
ـ تفضل ... إسأل...
blank.gif
ـ لقد رأيتك مرة في المطار بصحبة رجل كهل ؟.
blank.gif
ـ نعم ، أنت تقصد يوم سفر إبراهيم ، لقد كان أبي معي هناك وهو رجل كهل كما رأيت.
blank.gif
ـ ابوك ؟!.
blank.gif
ـ نعم ، أبي.
blank.gif
ـ ومن عساه إبراهيم هذا الذي كان له سعادة مشايعتك ؟!.
فعلت حمرة الخفر والحياء وجه نقاء وهي تقول :
blank.gif
ـ إنه زوجي...
blank.gif
ـ ولم يظهر محمود أي خيبة وارتباك ، فهو لم يكن يشعر نحو نقاء غير شعور الأخوة والاعجاب ، ولكنه ود لو عرف زوجها ، ومن يكون فتساءل :
blank.gif
ـ هلا زدتيني إيضاحاً بشخصية إبراهيم ؟
blank.gif
ـ وما الذي يعنيك من ذلك يا أخي !؟
blank.gif
ـ أرجو أن لا تحملي سؤال محمل الفضول...
blank.gif
ـ أنا أعلم أن غايتك من السؤال نبيلة ، والاستطلاع إذا كان بداع النبل لا يعد فضولاً أو تطفلاً.
blank.gif
ولم يشأ محمود أن يتابع هذا الموضوع لئلا يغضب محدثته ، أو يسيء اليها . فسكت برهة ثم قال وكأنه يحدث نفسه :
blank.gif
ـ ليتني أتمكن أن أدفن الماضي في سجل النسيان ، ولكني لن استطيع ذلك ما دامت تلك موجودة.
blank.gif
ـ أنت الآن رجل مستقيم ، لك أفكارك الواضحة وشخصيتك الثابتة ، فتصرف بما يمليه عليك ضميرك ، وبما تدعو إليه روحك.
blank.gif
وعند ذلك نهضت نقاء وقالت : ـ أنت لم تعد تحتاج إلى أحد ، فإن عندك من الكتب رصيداً يغنيك عن كل شيء ، ولكن فاتني أن أقول لك : إذا أردت أن تطالع قصة ، فاقرأ قصة « البؤساء » لفكتور هوجو ، فهي مدرسة إنسانية رائعة.
blank.gif
ولم يسع محمود إلا أن ينهض احتراماً لها ، فودعته وانصرفت ، وفي هذه المرة لم تحدثه نفسه أن يتبعها أو يتعقبها ، فقد كان يشعر أن ذلك بعيد كل البعد عن الأخلاق الفاضلة...

:msn-wink:
مع تحياتي :.الأميرال.:

 
:: الفصل الثالث و العشرين ::
رجع محمود إلى البيت وهو يحس بالصراع قائماً بين عاملين في روحه ، فقد كان يشعر أن عليه أن يتحرر من سعاد وأنه لن ينجح في حياته الجديدة ، إلا إذا تخلص من سلطانها عليه ، وكان يقف فكره عند كل مرة ، يحدث فيها نفسه عن حياته الجديدة ، ويتساءل في سره : هل حقاً أنه بدأ حياة جديدة لا زيف فيها ولا خداع ... لا فسق فيها ولا مجون ؟ هل حقاً أنه أخذ يستيقظ من سكرته الماضية ؟ وكيف ؟ ... وما هو السبب في هذا ؟ ... ولم يكن في كل مرة يحصل من نفسه إلا على جواب واحد : كنت تكفر بوجود الخير ، ولكنه وجد أمامك فآمنت به ... كنت تنكر أن للقيم حقيقة فتجسدت أمامك ... فلم يسعك إلا أن تقر بها... أنت خضت تجربة كانت فاشلة ، لكنها دلتك على طريق النجاح . وكان أشد ما يعذبه هو موقفه من سعاد ، وكان يود أن يعرف نوعية الحبل الذي يشده إليها ، وهل أن الحب هو الذي يخضعه لها أو شيء آخر فيتردد ... أهو يحبها حقاً ؟ أيحق له أن يستبقيها بذريعة الحب ؟ أيسمي شعوره نحوها حباً أم مجرد رغبة ورهبة ؟ أيجوز له أن يدعها تنبش ماضيه وهو في طريقه لدفنه في طيات التوبة ؟ أيصح له أن يعيش مع امرأة لا تتقيد بأي قيم انسانية ؟ ... إنه يقر بأنها كانت ضرورة من ضرورات حياته السابقة ، أما الآن فقد أصبحت ضرراً على حياته اللاحقة ... نعم ، إنه كان يهواها فيما مضى ، ولكن الآن هل لا يزال يهواها أو هل يحبها حقاً ؟!.


:msn-wink:
مع تحياتي :.الأميرال.:
 
عودة
أعلى أسفل