التأمل والتركيز
إن التأمل والتركيز هما حالتان متناقضتان تشكلان زوجاً ثنوياً يخضع لجميع قوانين العالم الثنوي.
فالتركيز يعني تركيز الرؤية والفكر على شيء محدد, فيزيد من حدّة العقل وقدرته على النفوذ إلى أعماق الشيء او جوهره, فنتعرف بمساعدة التركيز على بنية وجوهر الشيء أو الظاهرة التي تهمّنا. وهي حالة ليست بغريبة علينا, فنحن نستخدمها كثيراً في حياتنا.
ويقول معلمو اليوغا في التيبت أن لو استطاع الإنسان التركيز على شيء لمدة دقيقتين فقط, لأصبح عبقرياً .
ينقل عن أحد الباحثين الأجانب أنه حتى تكون مبدعاً لا يتطلب منك أن تكون حاصل على درجة IQ عالية , يكفي 120 ..
ولكن يمكن رفع مستوى الـ IQ بالجد والاجتهاد والعزم بذلك, حتى لو كان أقل من 120 , بل حتى لو كان 120 يمكن رفعه لدرجات أعلى بكثير ..
بشرط الجد والأجتهاد ..
وهذا الموضوع أساسه ذلـــك ..
حيث أن من يملك أفكاره تصبح في جعبته قوة عظمى تزيد من قوته الروحية كذلك التي بواسطتها تعطي زخماً للمضي قدماً نحو العلى .
صلب هذا الموضوع هو امتلاك الأفكار ..
من بيانات مرتاض هندي
يروى أن أحد الأشخاص كان ينتظر صديقاً له , عند نهر مدينة ( بونا ) في الهند ..
لمّا لفت نظره رجل يقوم بحركات وأعمال مدهشة خارقة للعادة. كان - مثلاً - قادراً على التكلّم بعدّة لغات, من بينها العربيّة والفارسيّة. في البداية حدثه بإحداهما ثم غير إلى الأخرى . إنه أستاذ متمرس في العلوم الغريبة, فلا يرى التنوين المغناطيسيّ ( الهِيِْبنُوتْسم) مثلاً إلا مسألة عاديّة جدّاً. وقد أتى - خلال مدّة انتظاره على جانب النهر - بعدّة أنواع من هذه المهارات في الحركات . . ممّا كان يبعث على الدهشة.
لما سأله: ماهو أهمّ عوامل نجاحك في كلّ هذه المهارات؟ فقال: أساس نجاحي ما علّمنيه أستاذي في أوائل شبابي, إذ وجّهني عدّة أشهر للسيطرة على تركيزي الذهنيّ.
قال لي ذلك الأستاذ: يمكنك أن تحقّق ما شئت لو ركّزت ذهنك وجمعت فكرك في بؤرة واحدة.
وقال: إنّ التركيز ضروريّ في كلّ عمل, ولا طريق لأداء الاعمال غير العادية, بل الخارقة للعادة . . إلا بوسيلة التركيز.
وقد أدركت خلال تجاري في الحياة - قال المرتاض الهندي - أنه لا يمكن أداء أي شيء مما يقوم به المرتاضون . . من مثل خفة اليد والتنويم المغناطيسي , بدون التركيز الذهني.
ثم قال له هذا المرتاض: لقد جهدت في أيام شبابي وعانيت كثيراً حتى اكتسبت القدرة على امتلاك التركيز . . وصرت من بعدها قادراً على أي عمل من مثل هذه المهارات التي رأيتها منّي . . بدون أيّ جهد وعناء. ذلك أنّ كل ما كنت أبلغه من الأعمال وأكتسبه من المهارات, كنت أجد التركيز الذهنيّ أساسه ومنطلقه.
في مدينة ( بنارس) كنت واقعهاً في حبّ فتاة لعدّة سنوات. وإذ امتلكت التركيز الذهنيّ. . . كنت أشاهد - على بُعْد المسافة بيني وبينها - كلّ ما تقوم به من أعمال وتصرّفات. وها أنا ذا الآن أقوم بأغلب الأعمال الخارقة للعادة, بوسيلة هذا التركيز.
ويؤمن بعضهم أنّ الإنسان إذا استطاع أن يكتسب طاقة التركيز الذهنيّ على نحو كامل صحيح . . يغدو بامكانه ان يأتي بكلّ الأعمال الخارقة للعادة. ذلك أنّ في الروح الإنسانية طاقات مدهشة عظيمة, بل إنّ الروح لها طاقات غير متناهية, لأنها تنتسب إلى الله, كما قال (تعالى): (( . . وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي)) سورة الحجر, الآية: 29.
وعلى هذا فإنّ الروح الإنسانيّة حين تجنّد كل الطاقات الفكرية لهدف ما, ويحدث في الإنسان التركيز . . يغدو في مقدوره أن يحقّق كلّ ما يهمّه من أعمال.
ربّما طرق سمعك أنّ بعض المرتاضين في هذه البلاد يستطيع أن يوقف حركة قطار. أنا نفسي قادر على أن انظر - وبالتركيز الذهنيّ - إلى غزالة في حالة فرار مسرعة, فأسمّرها في مكانها وأمنعها من الحركة. وأنا نفسي أستطيع بالتركيز أن أفصل روحيّة - أو ما شابهها من الحيوانات الضعيفة - عن بدنها . . أو أن أجمّدها في مكانها.
واقعاً أن كل المهارات العجيبة هذه إنما تتحقق بالتركيز الذهني أو الفكري.
التركيز الذهني هو طريق النجاح دنيا وآخرة بمشيئة الله تبارك وتعالى ويستطيع أياً كان تحصيله بالانتظام والجد والمثابرة والعزم الراسخ والإيمان و معرفة الطريق بشكل واضح نحو هذا الأمر.
أمّا التأمل فهو الحالة المعاكسة للتركيز, فالعقل خلال التأمل يتشتت وينبسط متسعاً, وربما تغيب الأفكار كلياً, أو تشرد من موضوع لآخر, دون التوقف عند شيء محدد ودون التمسك بشيء. إنها حالة من التأمل والاسترخاء, عندما يحتفظ العقل بقليل من وظيفة الانتباه.
وتسمح لنا حالة التأمل بالإحاطة بالعديدة من الأشياء في آن واحد ورؤية الروابط الداخلية فيما بينها ومتابعة نظام تفاعلها.
وبعض الأشخاص قادرون على جعل هذه الحالة تحيط بالكون كله, وعندها يدرك الإنسان نظام العالم. وحالة التأمل ليست معروفة عند سكان المدينة, لأن قاطن المدينة يسعى جيئة وذهاباً في سعي دؤوب لتأمين احتياجاته وحل مشكلاته.
وفي الحياة يجري تحول مستمر ما بين التأمل والتركيز, حيث يتحول كل منهما إلى الآخرة في دورة غير منقطعة. فتركيزك على شيء موجود أماك وتفحصك إياه بتمعن أو تفكيرك بمشكلة مجردة, يسبب لك الإرهاق تدريجياً, فتنتقل إلى حالة تشبه الاسترخاء, وذهب بأفكارك بعيداً لا تدري إلى أين, فتنتقل بهذا الشكل إلى حالة التأمل.
عندما تجلس على ضفة النهر وتتأمل الطبيعة من حولك وتتحدد معها, فإنك في الواقع تتأمل, ثم تحل حالة من الإشباع النوعي, فينجذب اهتمامك إلى حشرة صغيرة مسرعة بين الأعشاب, فتركز انتباهك على جسم الحشرة ولونها وكيفية تحريكها لأطرافها , فتنتقل إلى حالة التركيز.
إن عقولنا تتفاعل مع الأشياء والظواهر بواسطة التأمل والتركيز حصراً. أما الحالات الأخرى للعقل, كالانتباه والاسسترخاء والمثابرة والتجريد, فجميعها تعد حالات مساعدة.
وعندما يصل التركيز ذروته ينقلب إلى تأمل, وينقلب التأمل إلى تركيز عند وصوله إلى ذروته, إنها عملية مستمرة طالما يعيش الإنسان في جسمه المادي. إذ يتواجد الإنسان الطبيعي عادة في إحدى الحالتين لأجزاء من الثانية ثم ينتقل إلى الحالة الأخرى, وهكذا بالتناوب.
إن حالة التأمل شبيهة بالنظر إلى الأرض من الفضاء, فتراها بشكل كامل, بجميع مدنها وغاباتها وأنهارها, أما حالة التركيز فشبيهة بقدرتك على تمييز الطرقات ودروب الغابات وأوراق الأشجار من بين المجموع العالم للصورة.
ولا شك أن التركيز والتأمل معروفان جيداً لديك, لكنك لم تنتبه لهما في السابق. وكلتا الحالتين تشكلات في الواقع كلاً موحداً. إنها حالة من الرؤية والاسترخاء, عندما تكون قادراً على التواجد في المكان والزمان الراهنين. وهي حالة اندماجك بالمكان والزمان الراهنين وتلاشيك في العالم المحيط بك, وهي حالة من الفعل وعدمه, وحالة من الفراغ والامتلاء, وحالة من الحركة والسكون.
ويعلمك التركيز كيف توجه عقلك كشعاع الليزر ليخترق أعماق الشيء الذي يشغل اهتمامك. بينما يعلمك التأمل كيف توقع آفاق عقلك وتوزعه على مساحات واسعة إلى أن يحيط في نهاية الأمر بالكون كله.
إنك تعرف التركيز والتأمل جيداً وتتقنهما إتقاناً ممتازاًَ, لأن نصف كرتك المخية الأيسر مسؤول عن التفكير المستقيم, وهو لا يفعل شيئاً سوى التركيز, بينما نصف كرتك المخية الأيمن مسؤول عن التفكير المجازي وهو يمارس التأمل طوال الوقت.
أليس لديك رأس ودماغ ونصفا الكرتين المخّيتين؟ فأنت إذا تعرف جيداً ماهية التأمل والتركيز, فحاول أن تثق بنفسك.
ومن خلال ممارستك للتأمل والتركيز ستتعرف على عمل نصفي الكرتين المخيتين, وكيفية تناوب العمل بينهما وليس المطلوب منك إلاّ الجلوس والنظر ببساطة, وأن تمنح نفسك الفرصة والوقت.
مقدمة للموضوع من مصادر شتى.
الذي يرجى أن يستفيد منه طلاب العلم نحو أداء دراسي وحياتي أفضل بمشيئة الله تبارك وتعالى ..
تفاصيــل كثيرة قيمة قادمة إن شاء الله تعالى ..