الدودو، مواليد مارس 2013، كانت وما زالت -للآن- أقرب الأطفال إلى قلبي.
عام 1998، عندما كان عمري أقل من سنتين، خُطبت خالتي (والدة الدودو). ولأنني كنت في بيت جدي أغلب الأوقات، كانت تصطحبني كثيرا عندما تكون مع خطيبها (والد الدودو). كان منبهرا بي: كيف لطفلة بهذا العمر أن تتحدث بهذه الطريقة وبهذا الكلام؟ كنت كثيرة الكلام بالفعل؛ أكثر مما أنا عليه الآن بآلاف المرات. كان الكبار يحبونني جدا لهذا السبب. أما أنا فكنت أحب خالتي وخطيبها فوق الحد الطبيعي -محبةً خاصة-، فهما الوسيلة للوصول إلى أماكن الترفيه والألعاب والحلويات.
لن يُصدق أحد -بينما أنا مواليد 1997- أنني أتذكر مقولة سمعتها في 1998 أو ربما 1999، لكنني أتذكرها بوضوح. جاءت خالتي لأمي وخالاتي الأخريات لتخبرهن أن (السيّد) -خطيبها- يقول: "إن شاء الله في المستقبل نُرزق ببنت مثل (إيقاع)". وكان يعني بالدرجة الأولى بحلاوة حديثي ومتعته. من حينها، وكلما تذكرت العبارة، لا أزال أفرح وأنتشي سرورا. أنا بالطبع الآن أعلم أنها نوع من العبارات الرومانسية بين المتزوجين حديثا: التحدث عن المستقبل والأطفال. هذا لا يمنع سروري بالعبارة.
حبلت خالتي وحان موعد ولادتها في فبراير 2001. لقد دعوت بشدة أن يكون المولود (ولدا) لئلا يتحقق دعاء زوج خالتي (بإنجاب بنت مثلي). كنت أؤمن -في سري- أنهما ما إن ينجبا بنتا سيتوقفان عن محبتهما لي، وسيذهب الحب، كل الحب، إليها بطبيعة الحال. لم يستجب الله لدعائي، أنجبت خالتي بنتا. حزنت.
لا أتذكر التفاصيل بعدها. لكن خالتي تقول أنني ابتعدت عنهم بمجرد ولادتها. صرت أرفض البقاء معهم -فضلا عن الخروج معهم-، بل أنني حتى امتنعت عن الحديث مع زوجها.. إلى الآن. أنا بالطبع لا أتحدث معه الآن بفعل الحياء، أما فيما مضى من السنوات، فإنني كما قلت: "لا أتذكر".
رغم ذلك، أنا أعتقد أن دعاء زوج خالتي لم يتحقق إلا في 2013. (الدودو) هي طفلته التي تشبهني. أرى نفسي فيها كثيرا. لا أعلم في الحقيقة إن كان هذا سبب حبي الكبير لها، أم أنني أحبها دون سبب.
قبل مدة لا تزيد عن السنة، أرتني الدودو صورة من هاتف والدتها لحفل زفاف والديها الذي أظنه كان عام 2000. قلت لها: تعرفين من الجاهلة الا قاعدة في حضن أبوش؟ لا.. دي من؟ هدي أني. تضايقت الدودو لمَ أكون في حضن والدها ولا تكون هي، يوم زفافهم.. كعدد كبير من الأطفال الذي يسألون والداهم ما إن يرون ألبوم صور زفافهما: أين كنا؟ أتساءل ما إن كان أطفالي سيسألونني عن شيء مشابه.
قبل قرابة الشهر من عقد قراني، وما إن لقطت الدودو اسم العريس، حتى بدت التجول في الأرجاء ونشر الموضوع (كالنار في الهشيم): تعرفون اسم (رجل) إيقااااااااع؟ أني أعرف اسمه.. اسمه محموووووود.
- سكتي يا بت الحلال.. ما في فايدة. خبرت الأولي والتالي. فضحتنا.. وما أحلاها من فضيحة.
طبعا من الأشياء التي تضحكني أن يستخدم الأطفال مفردة (رجل) لقول (رجل فلانة). أعتقد أنني عندما كنت في عمرهم أخجل من قول هذه الكلمة وأظنها عيبا.
أما الدودو فكانت سعادتها لا توصف، خاصة أنها تملك معلومة عن العريس لم يكن يعرفها الجميع بعد. كلما قالت اسمه (محمود) أرى على محياها ابتسامة عريضة وسرورا كبيرا يشبه الانتصار.
أما الدنيا.. فهي تدور. الآن أقول لمحمود: إن شاء الله نُرزق بطفلة مثل الدودو.
قبل قرابة السنتين، تزوج ابن خالي. في فترة مقاربة تزوجت ابنة عم أو عمة الدودو. في الزفافين، لم تصدق الدودو أن العريس هو العريس لأنه ابن خالها، كما لم تصدق أن العروس هي العروس لأنها قريبتها. كانت معترضة، غير مصدقة، وتنتظر دخول العرسان الحقيقيين.
أعتقد أن لكل طفلة معتقداتها عن العرس. مثلا الدودو كانت تعتقد أن العرسان لابد أن يكونوا أغرابا عنا. بينما أنا كنت أعتقد أن العروس لابد أن تكون جميلة الشكل جدا، وإلا لن تكون عروسا.
ما إن حان عرسي حتى تلاشى معتقد الدودو. بينما معتقدي ظل معي حتى وصلت للمرحلة الثانوية.
في الثاني والعشرين من يونيو. الدودو جاءت لي بابتسامتها التي لم تدم طويلا ما إن رأتني لا أرتدي الأبيض. وازداد ضجرها عندما لم ترَ العريس. في غرفتي، دار هذا الحوار بين الدودو والطوطو، الذي بدأ بعبارة توجهها الدودو لي:
- قالوا ليي اليوم عرسش! مو عرس ولا شي!
الطوطو: يحظي اليوم المعادل مو العرس.
- يعني ويش المعادل؟
ضحكت بشدة. وواصلت الطوطو على استحياء: أني أدري يعني ويش معادل.. سألتها: يعني ويش؟
- يعني أهل المعرس يقعدون وي أهل العروس ويتعرفون على بعض.
ضحكت بشدة مجددا: وش دراش؟
- أمي قالت ليي..
الطوطو.. تكبر الدودو بسنتين. وأحبها أيضا.
الجُمعة، ليلة السبت، الثاني والعشرون من يونيو للعام الثامن عشر بعد الألفين، تبدأ الحكاية:
السبت، ليلة الأحد، الحادي والعشرون من يوليو للعام الثامن عشر بعد الألفين، الدودو تنشر النور والبهجة بابتسامتها:
من المواقف التي جعلتني (مسجاةً) من الضحك، عندما كانت صغيرات العائلة يرقصن على المسرح أو أمامه بينما الدودو واقفة تبتسم فقط. سُئِلتْ: ليش ما ترقصين وياهم؟ أجابت: لأنهم ما يستحون على وجههم يرقصون قدام المعرس!