،
بعض الأشياء ترتبط بالذّاكرة بطريقةٍ ما.
هذه اللّطميّة مثلًا.. تذكّرني بأحد الأطفال الذين درّستهم مسبقًا.
مع أنّي حرصت على عدم الكتابة عن ذكرياتي مع هؤلاء الطلّاب، فيما عدا بعض المرّات القليلة التي أكثرها لم تكن هنا.
(عليّ) من الصفّ الأوّل. كان مشاغبًا عنيدًا، وأحيانًا يأخذ الأمور على وجه التّحدي. حتّى أنّ أحد طلاب الصفّ الخامس قال لي إنّه في الفصل السابق كان (يفلّع المحايات) على الأستاذ المشرف، وحينها كان في سنّ الرّوضة. مع ذلك كان يخاف من الأستاذ المشرف على المكان بحيث أنّه (يتبريد) فرقًا منه أحيانًا، وفي بعض المواقف القليلة كان يبكي في النّهاية.
لكنّه على الأقلّ ينجز بما فيه الكفاية، ولديه بعض النظرات الغريبة اللّطيفة عندما (يتحمّس) في الدّرس. مرّةً كنّا نتحدّث عن الله وعن أنّه يرى كلّ شيء، كان يقول لي بإصرار: كيف يمكن أن يرى ما في الصفّ مع كلّ هذه الجدران؟ في الحقيقة وجهه، خاصةً عيناه تقولان كلّ شيء: خوفه، حماسه، فضوله، سعادته. وليس هو فحسب، أعتقد أنّ جميع الأطفال كذلك. وكذلك رغبته الشديدة في التحدّي وإثبات النّفس والعناد ساعدته على الكتابة بيده اليسرى عندما كُسِرَت يده اليمنى في المدرسة. ولسوء حظّه أنّه في تلك الأيّام بدأ بتعلّم الكتابة، لكنّه أبهرني عندما كتب بخطٍّ مرتّبٍ نسبيًّا بيده اليسرى. وفي إحدى المرّات وبعد الاضطرار لاستخدام النجّوم لتشجيع هؤلاء الأطفال، قام بإزالة النجمة - أو ربّما أكثر من نجمة - من ظهر يده، بحجّة أنّه سيذهب بعد الدّرس إلى النّادي. (يعني أنا رجال وألعب كورة ما أحطّ نجوم مال جهال).
كانت حينها فترة شهر محرّم الحرام. من أحد طرق العناد عند علي: (يعزّي) فجأة، أحيانًا بلطم وأحيانًا من دونه، وأحيانًا حتّى وهو يحلّ الواجب يدندن بالعزاء. وأنهاه في جميع تلك الأحايين بالطّبع. كان لديه حبّ طفوليّ للمأتم والعزاء وجميع ما يتعلّق بهما. وفي أواخر الأيام هناك كان يتحدّث مع (عبّاس) - طفلٌ آخر من الصفّ الثاني لكنّهما معي في الصفّ نفسه في الأكاديميّة - في الوقت الأخير المتبقّي - عن أشياء لم أكن أسمعها جيّدًا ولكنها كانت عن المأتم والعزاء. (وبقواية عيون) كان يقول لي: (إذا ما سولفنا إهني نسولف في وين). #إحلف.
المهمّ، كانت من أكثر اللّطميّات التي يردّدها: قارورة، وخطّار إجاني. ليس كلّها بالطّبع وإنما مقاطع؛ لأنه ليس بحافظٍ الكثير بالنسبة لعمره.
هناك لطميّة قديمة أو شبه قديمة أيضًا كان يرددها لكنّي لا أتذكّر الآن ما هي. لكن على أيّة حال، من (خطّار إجاني) كان يردّد هذا المقطع أكثر من غيره:
"جاني وآني.. ما بين موش مصدقة ومصدقة
أهلًا وسهلًا.. بالرّد لي روحي بساعة الملقى
شفته وشفته.. امن الخيزرانة مجرّحة وزرقة".
ولكنه في الشّطر الأوّل يقول كلمات مغمغمة مخلوطة بكلمات صحيحة، ثمّ يقول "مصدقة ومصدقة" بنغم ودرجة صوت أعلى قليلًا، ثمّ يواصل على النبرة نفسها إلى أن يصل إلى السطر الأخير فيرفع النغم ودرجة الصوت أكثر بقليل دلالةً على الحرص على التقليد وضبط المقطع.
وبصراحة الله أعلم إذا كان سبب (شبص) هذا المقطع في عقله هو كلمة (خيزرانة) أو لا. #مسكين.

لكن كلّما سمعت هذه اللّطميّة أشعر أنّ صوته (يدخل على الخطّ) في رأسي مع صوت باسم الكربلائي، ولهذا ما يزال في ذاكرتي.