موقع طلبة جامعة البحرين

يمكنك تصفح الموقع كزائر ولكن ندعوك لتسجيل عضوية خاصة بك لتحصل على كافة الصلاحيات مثل تنزيل ملفات المكتبة وقراءة تعليقات هيئة التدريس وغيرها. يمكنك الحصول على عضوية مجانية بالضغط على زر تسجيل. إذا قمت بالتسجيل مسبقا فيمكنك الضغط على زر دخول.

تسجيل دخول

السـراج المنيــر .. لرضـا الحكيــم الخبيــر ~

عن الأمير (ع): صيام القلب عن الفكر في الآثام أفضل من صيام البطن عن الطعام.
وعنه (ع): صيام القلب أفضل من صيام اللسان وصيام اللسان أفضل من صيام البطن.
 
ان الايام والليالي تجري بسرعة ، فكل يوم يمر علينا نقترب خطوة بها الى ذلك العالم الابدي الذي لا نعلم حالنا فيه .. فهل فكرت في موارد هدر العمر ، وفي اين ؟!..وما هو الطريق الى تحويل الحياة الى حالة من الجدية ؟!.. فان الناس باتوا لا يبالون كيف يواجهون حياتهم الابدية وكيف يخططون لها!
 
قال أمير المؤمنين عليه السلام : السعادة التامة بالعلم ،و السعادة الناقصة بالزهدِ ، و العبادةُ من غير علم و لا زهد تعب الجسد
 

عندما يتقدّم العارف في مسير السير والسلوك، تشرق الأنوار الإلهية في قلبه وقواه الإدراكية، وتفتح له أبواب المشاهدات والكشوفات، فيصل إلى مستوى أعلى من الإدراك، ويرى حقائق لم تكن قد انكشفت له من قبل.

ترافق الكشوفات السالك طوال حركته السلوكية، وتتفاوت باختلاف قربه وبعده من المقصد، وباختلاف استعداده الروحي.


تعريف الكشف
يتحدّث القيصري في شرحه على فصوص الحكم حول معنى الكشف، فيقول: "اعلم أنّ الكشف لغةً رفع الحجاب. يقال: كشفت المرأة وجهها, أي رفعت نقابها. واصطلاحاً هو الاطّلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية"1.



ويفهم من خلال هذا التعريف:
1- أنّ الكشف نوع من الإدراك والعلم.
2- أنّ الكشف هو من الإدراكات والعلوم الشهودية والحضورية.
3- أنّ الكشف عن الحقائق يحصل من خلال إزاحة الحجب من أمام السالك.



أقسام المكاشفات
قسّم القيصري المكاشفات نوعين: صوري ومعنوي. ثمّ شرح أشكال كلّ واحد من النوعين:
1- الكشف الصوري:
"وهو ما يحصل في عالم المثال عن طريق الحواس الخمس..."
2. ولتوضيح المقصود، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ العرفاء يقسّمون العوالم إلى ثلاثة، هي: عالم المادة، عالم المثال، وعالم التجرّد. وأنّ للإنسان أيضاً مراتب ثلاث: الحسّ والمثال، والتجرّد، حيث يمكنه بواسطتها إدراك موجودات العالم والتعاطي معها. وعالم المثال هو عالم يتوسّط عالم المادّة وعالم التجرّد التام، والأحلام والمنامات التي يراها الإنسان أثناء نومه هي درجة متدنّية منه.

العرفاء يعتقدون أنّ للإنسان، وبالإضافة إلى حواسه الخمس الظاهرية: الباصرة، الذائقة، الشامة، اللامسة، وحاسة السماع، حواساً خمساً باطنيةً أخرى بموازاتها، هي باطن هذه الحواس الظاهرية، بل وتكون الباطنية أساس الظاهرية ومنشأها. فإذا أدرك الإنسان بالحواس الظاهرية، كانت معرفته محصورة بعالم المادّة، وإذا ادرك بالحواس الباطنية، أمكنه الاطّلاع على ما هو فوق عالم المادّة. والإنسان السالك، ونتيجة جهوده في طريق الوصول إلى القرب الإلهي، يدرك بحواسه الباطنية، الحقائق الموجودة في عالم المثال.

وهذا الكشف الصوري أو المثالي قد يحصل في اليقظة، وقد يحصل في النوم. وفي كلّ الأحوال، فهو متعلّق بالحواس الخمسة, أي الباصرة، الذائقة، الشامة، اللامسة، وحاسة السماع، ولكن على المستوى الباطني لا الظاهري. وفيما يأتي نذكر نموذجاً واحداً لذلك. عن الإمام الصادق عليه السلام: "... مازلت أكرر آيات القرآن


حتى بلغت إلى حال كأنّني سمعت مشافهة ممّن أنزلها على المكاشفة والعيان، فلم تعمّ القوة البشرية بمكاشفة الجلالة الإلهية..."


2- الكشف المعنوي:
الكشف المعنوي عبارة عن: "ظهور المعاني الغيبية والحقائق العينية"4، وهو كشف بعيد عن عالم المادّة والحواس, إذ تُكْشف الحجب بأكملها، فيرى السالك حقائق من ذاك العالم المجرّد. وللكشف المعنوي مراتب نذكرها على نحو التعداد فقط، وهي:
أ- الكشف الحدسي.
ب- الكشف القدسي.
ج- الكشف الإلهامي.
د- الكشف الوحي.
هـ- الكشف السرّي.
أ- الكشف الخفي والأخفى.


دور المكاشفات في السلوك
الكشف من العنايات الإلهية الخاصّة للسالكين، والمكاشفات تحمل للسالك بشائر وتحذيرات فيطّلع من خلالها على مقامه، ويدرك نقائصه، فيبادر إلى إزاحتها للوصول إلى الأعلى. ويحمل الكشف فوائد عديدة، من أبرزها:
1- يتمكّن السالك بواسطتها من الاطّلاع على نقائصه، ويعرف مقامه ومنزلته.
2- يجعل الكشف السالك يستأنس بما هو فيه, فيجتهد ويجدّ في السلوك.

3- الكشف يساعد السالك في الوصول إلى بعض المقامات التي لا يمكن له الوصول إليها إلا به5.


 
السؤال (19) : ما هي المكاشفات ؟ وهل هي نتاج القرب إلى الله عز وجل ؟

بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المكاشفات حقٌ طبيعيٌ لروح الإنسان بل هي من الأمور الذاتية , ولكن عدم إدراكها هو الأمر العارض بسبب الحجاب بين الإنسان وبين الله عزّ وجلّ الذي حوله هذا الحجاب من النور إلى الظلمة , فكلما اقترب الإنسان من حقيقته الربانية كلما إنكشفت أمامه الحقائق وإطمئنت نفسه حتى يصل إلى مرحلة الفناء وهي غاية الغايات , هذا كله بلحاظ المكاشفات بلحاظ حقائق الغيب وبواطن الوجود ، وهذه هي المكاشفات الحقيقية ، نعم قد تطلق كلمة المكاشفات على حقائق عالم الشهادة وظواهر الموجودات وهذه في واقع الأمر ليست مكاشفات حقيقية وليست هي نتاج القرب من الله عزّ وجلّ بل هي نتاج مخالفة الإنسان لنفسه وإن كان الهدف غير سامٍ فهي نتاج المجاهدات النفسية حتى لو صدرت من الفاسق أو المشرك أو الكافر , وهذا ما يفسر إخبار بعض الفاسقين أو حتى الملحدين ببعض ما يسمى بالمغيبات والإخبارات الماضية أو الحاضرة أو المستقبلية ، وهذا ما يؤدي إلى إيمان بعض السذج بهم ولا يعلم هؤلاء أن هذا حق طبيعي لمجاهدة النفس وأن كان الهدف دنيوياً , وهؤلاء لا يمكنهم بل لا يتصورون ماذا يوجد في عالم الغيب من حقائق وبواطن , والعارف الحقيقي هو الذي يعيش المكاشفات الحقيقية ويهمل المكاشفات الأخرى بل لا يعير لها أهمية بل لا يسألها وإذا جاءته يعرض عنها لأن هدفه أسمى من ذلك وارفع وأعظم ، إن الناس لا يدركون لذة أن تنكشف الحقيقة أمام الإنسان فيرى الله عزّ وجلّ في كل شيء سارٍ ، ولنعم ما قاله بعض العارفين :
جمالك في كلّ الحقائق سائرٌ وليس له إلا جمالك ساترٌ
فإذا حصلت للإنسان هذه المكاشفة الحقيقية لا يرى أحداً إلا الله عزّ وجلّ فتكون الحياة والموت عنده سواء ، روي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه أنه قال : (العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع الله تعالى , ولو سها قلبه عن الله تعالى طرفه عين لمات شوقاً إليه) ...

إجابة الشيخ أسامة بلال النجفي
 
التعديل الأخير:
جواب السؤال حول معنى المقولة المشهورة : (وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنبُ) .

بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لقد ردد العرفاء والفلاسفة المتألهون والمتصوفة بل حتى الفقهاء والمحدثين ، هذه المقولة التي هي في الأصل عجز لبيت شعري جاء فيه :

إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى *
تقولين لولا الهجر لم يطب الــــــحبُ *
وإن قلت هذا القلب أحرقه الــــــهوى *
تقولي بنيران الهوى شرف الــــــقلب *
وإن قلت ما أذنبت قــــــــــالت مجيبة *
(وجـودك ذنــب لا يـــقاس بـــه ذنــبُ) *

وكان شيخ الطريقة (الجنيد البغدادي) يقول : (ما إنتفعت بشيء إنتفاعي بأبيات سمعتها) ، وهي هذه الأبيات ، ويظهر للمتتبع بأن الكثير من الشعراء أدخلوا هذا البيت الأخير في قصائدهم ، ولعله من شعر (قيس مجنون ليلى) ، وليس المهم عندنا تأريخ هذه المقولة ، بل المهم معناها ، فأقول بعد التوكل على الله عزّ وجلّ : بين الإنسان والله عزّ وجلّ علاقة عكسية من حيث الوجود والعدم ، بمعنى : كلما أحس الإنسان بوجوده وأهميته كلما إبتعد عن الله عزّ وجلّ وخفي عليه نوره وبرهانه ، وكلما أدرك الإنسان فقره وإنعدامه كلما قرب من الله عزّ وجلّ وظهر له نوره وبرهانه ، فوجود الإنسان يعني عدم غيره ، وعدم الإنسان (الفناء) يعني وجود ربه ، لذلك نجد بأن الإنسان كلما رأى لنفسه وجوداً كلما خفيت عليه الحقائق إلى حد مذهل كفاء شمس الظهيرة ، وهذا عين ما حدث لأبليس الذي قال : (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) ، بل قد يتمادى الغي كما في غي فرعون الذي قال : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ، لقد وصل إلى قمة الوجودية فسببت حضيض الظلمة ، وهذه المقولة تريد أن توضح هذه الحقيقة (وجودك ذنبٌ لا يقاس به ذنبُ) لأنه يؤدي للجهل والضلام والعدم ، وقد قيل في توضيحه : (يعني توجّه العبد إلى وجود نفسه ورؤية وجوده في هذا المقام والمنزلة من المعرفة هو ذنبٌ كبيرٌ ولا يقاس به أي ذنب لأنّه شرك في الوجود وغفلة عن الحق المحبوب ، لو أراد أن لا يكون له ذنب يجب أن لا يرى الوجود إلَّا له ، إضافة بأنّ نفس وجود العبد حجاب لا بدّ منه ولا يرتفع هذا الحجاب قطَّ) ، وهذا هو عين ما قصده (الحلاج) من بيته الشهير :

بيني وبينك إنـــي ينازعني *
فارفع بلطفك إني من البين *


جواب الشيخ أسامة بلال النجفي
 
جواب السؤال حول آلية الدخول في عالم العرفان من قبل شخص ملوث بالذنوب .

بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إن الله عزّ وجلّ كان ولا شيء معه ، ثم خلق الخلق وجعلهم مراتب ، وحقيقة هذه المراتب الوجودية من حيث الموجودات المادية والمجردة تتقيم بالقرب والبعد عن الخالق عزّ وجلّ ، فمثلاً الجماد هو الأبعد عن طاقة الوجود ونوره ، والنبات أقرب منه ، والحيوان أقرب من النبات ، والإنسان أقرب الجميع ، فقد أودع الله عزّ وجلّ في الإنسان آليات كامنة وكاملة تؤهله للوصول إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من حقائق الوجود ، فالسؤال المطروح هنا : هل بإمكان الإنسان نزع ثوب المادة وتوابعها والإلتحاق بعالم المعنى ؟ والجواب : نعم هذا مؤكد بالوجدان ، فلا يوجد إنسان في الوجود عاجز عن ترك المعاصي والذنوب والأثام ، ولكن المتلوث بالذنوب بحاجة إلى مراحل أولية كي يضع قدمه في أول الطريق ، ومن ضمن المراحل الأولية هي (اليقظة) ومن ثم (التوبة) وهكذا ، وجميع هذه المراحل تحتاج إلى (يقين) لأنه المحرك الأساسي للإنسان ، وفقدان (اليقين) بالله عزّ وجلّ هو الذي يقيد الإنسان ويصرعه دون أن يشعر ، ولعل سائلاً يقول : كيف أحصل على اليقين ؟ والجواب : أسألوا الله عزّ وجلّ اليقين بقلوب صادقة فهو الوهاب ، ودلت التجربة على ذلك ، ولكن الصدق في الطلب بحاجة إلى قناعات عقائدية ودينية صحيحة ، فإذا أهمل الإنسان المعنى ، وأهمل اليقين ، وأهمل اليقظة ، وأهمل التوبة ، وإستمر على حاله وحضره الموت ، فسوف يتمنى أن يكون جماداً وتراباً وهو الخلق الأبعد عن الحق على أن يكون إنساناً بسبب إحساسه بالندم من تضييع جوهر الإنسانية ، قال الله عزّ وجلّ : (إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً) ...

جواب الشيخ أسامة بلال النجفي
 
السؤال (18) : هل إن كل إنسان هو مشروع خليفة لله عزّ وجلّ في الأرض ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

نعم إن كل إنسان هو بحد ذاته مشروع خليفة لله عزّ وجلّ في هذه الأرض ، وكل إنسان له تلك الأهلية ، وله تلك القدرة ، وله تلك القابلية ، ولكن غفلة الإنسان وكسله وعدم مبالاته وجديته وسوء تصرفه ، هو الذي يجعله حليفاً لاعدائه الحقيقيين أمثال الشيطان الرجيم والنفس الأمارة بالسوء ، وبالتالي أبعد نفسه عن الحق والحقيقة ، وعادى من كان بالأحرى أن يكون سنداً له وعضداً ، وعليه فالإنسان لا يدرك حجم الخسارة التي تلحق به عندما يترك عرش خلافة الله عزّ وجلّ كي يرمي بنفسه في ظلمة العدم ...
 
السؤال (9) : ما هو الفرق بين التصوف والعرفان ؟

بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

العرفان هو التوحيد الخالص وهو دين الله عزّ وجلّ الذي بعث به الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، وأمر الأئمة المعصومون صلوات الله عليهم بالحفاظ عليه وتبليغه إلى الناس ، وإما التصوف فقد ظهر كردة فعل عن إبتعاد الأمة عن الإسلام الحقيقي فتعامل المتصوفة مع الظاهر فكان يعرف الصوفي من ملابسه وأكله وطريقة معيشته وتصرفاته وكلماته , والحال إن الله عزّ وجلّ يريد نفس الإنسان هي التي تتلبس بالإسلام الحقيقي وليس مظهره الخارجي ، فالفرق بين التصوف والعرفان فرق السماء عن الأرض ، وبعبارة أخرى : العرفان هو الحركة الروحية إلى الله عزّ وجلّ عن حق وحقيق بمنظور الكتاب والسنة وبهدي أهل البيت صلوات الله عليهم ، لذلك نقول : العرفان منحصر بمذهب الحق ، وأما التصوف فهو طغيان السلوك الظاهري على الباطني ، وقد يشوب التصوف الكثير من الإنحرافات ، نعم كان بعض الصوفية يحسبون على الصوفية وهم في الواقع من العرفاء بل من أكابرهم وإجلاءهم ولكن التأريخ والمؤرخين لا يفرقون بين الصوفي والعارف بل لا يدركون الفرق بينهما فوسموا العارف بأنه صوفي ، وكثيرُ من هؤلاء كانوا على مذهب أهل البيت صلوات الله عليهم ولكن التأريخ والمؤرخين لم يمكنهم تسليط الأضواء على مذهبهم الحق , أما لعدم وضوحه وأما لعدم تصريحهم بذلك تقية وأما لإجتهاد المؤرخ بنسبة مذهب معين لشخص معين لقرائن أفادته كالمكان أو الزمان أو المدرسة التي تخرج منها أو ما شاكله ، لذلك ثبت أن الكثير من سادات الصوفية ومشايخهم كانوا على مذهب الحق وهم أقرب إلينا من غيرنا ...

إجابة الشيخ أسامة بلال النجفي
 
السؤال (8) : هل العارف يعلم ببواطن الناس ؟

بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هذا بحث يطول فيه الكلام ونرجيء فيه البحث إلى كتابنا : (الذهاب إلى الله) ، ولكن على سبيل الإختصار نقول : قد يصل العارف إلى مرحلة تنكشف أمامه الحقائق لكنه لا يبالي بما يرى وبما يحس لأن وصوله إلى مطلوبه يجعله ذاهلاً عما سوى الله عزّ وجلّ , نعم هذا الإنكشاف مقرونٌ بحصول مصلحة يعلم بها الله عزّ وجلّ فيهييء للعارف ذلك الإنكشاف ، وبدون مصلحة يستحيل أن ينكشف شيء للعارف مهما وصل من مرتبة ، لأن الله عزّ وجلّ لا يخالف حكمته , كيف وصفاته عين ذاته ، وخيرُ دليل لنا حادثة موسى عليه السلام مع ذلك العبد الصالح الذي وصفه الله عز وجل بقوله : (عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) , فإن المصلحة لم تقتض أن تنكشف الحقائق أمام أفق موسى عليه السلام وإقتضت المصلحة أن تنكشف الحقائق أمام أفق ذلك العبد الصالح عليه السلام ، مع أن موسى عليه السلام من رسل أولي العزم عليهم السلام ، وله مكانة خاصة وعظيمة عند الله عزّ وجلّ ، مما يناسب المقام ما نقل عن أحدهم بأنه كان ذاهباً في أحد الأيام إلى دار العارف الجليل الشيخ رجب علي الخياط ، وفي الطريق وقع بصره على إمرأة جميلة سافرة لفتت إنتباهه ، وبعد أن وصل إلى دار الشيخ العارف وجلس إلى جنبه ، نظر الشيخ العارف إليه وقال : (ماذا أرى فيك ؟) ، فقال الضيف في نفسه : (يا ستار العيوب) ، فضحك الشيخ العارف وقال : (ماذا قلت حتى زال ماكنت أراه) ..

إجابة الشيخ أسامة بلال النجفي
 
السؤال (3) : ما هي الشريعة ؟ والطريقة ؟ والحقيقة ؟

بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إن الله عزّ وجلّ شرّع للإنسان طريق الكمال ، وكان من الطبيعي أن هذا الطريق له مراحل متعددة وصور مختلفة ، إلا أن الهدف فيها كلها واحد وهو الله عزّ وجلّ ، فأراد الله عزّ وجلّ من الإنسان أن يتحرك إليه تحركاً كاملاً ومستمراً بلا انقطاع ، فأمره بإتباع الشريعة وهو عمل الجوارح أو قل : (حركة الجوارح إلى الله عزّ وجلّ) ، فالشريعة هي الصلاة والصوم والإعتكاف والحج والعمرة والزكاة والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والشريعة هي الواجبات كالصدق والأمانة والعدالة ومساعدة الآخرين وحسن الجوار ، والشريعة هي النهي عن المحرمات كالكذب والخيانة والظلم وإهانة المؤمنين والغيبة والبهتان ، هذه هي الشريعة فإذا ارتقى الإنسان أكثر وتجاوز أعمال الجوارح وأفعال البدن وراح يبحث عن الحق فيما هو أرقى من عالم المادة والماديات ودخل في دائرة الباطن لحقائق الأشياء فعلم باطن الصلاة والصوم وعلم باطن الواجبات وباطن المحرمات وزاد إلى عمله بالشريعة معرفةً وهدايةً ونوراً ، فهذا قد تلبس بالطريقة وسار على الصراط بنور المعرفة ، وإذا ارتقى الإنسان أكثر وتجاوز دائرة الظاهر - أعني الشريعة - ودائرة الباطن - أعني الطريقة - وترقى إلى دائرة باطن الباطن وغيب الغيب فقد دخل إلى الحقيقة وهي مقام راقٍ مقام المشاهدة والملاحظة وغيب الكل في الله عز وجل ، ومن هذا كله يجب أن يُعلم بأن الشريعة والطريقة والحقيقة معنى واحد ومقام فارد ، إلا أن التوغل هو الذي يحقق العناوين المتعددة .
قال بعض العارفين : (الشريعة أن تعبده ، والطريقة أن تحضره ، والحقيقة أن تشهده) ، وقال عارفٌ آخر : (الشريعة أن تقيم أمره ، والطريقة أن تقوم بأمره ، والحقيقة أن تقوم به) .
ولعل قائلاً يقول : هذه مصطلحات مجعولة لا أصل لها في الشريعة !
قلنا في رده : بل وردت في الشريعة فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : (الشريعة أقوالي ، والطريقة أفعالي ، والحقيقة أحوالي ، والمعرفة رأس مالي ، والعقل أصل ديني ، والشوق مركبي ، والخوف رفيقي ، والعلم سلامي ، والحلم صاحبي ، والتوكل ردائي ، والقناعة كنزي ، والصدق منزلي ، واليقين مأواي ، والفقر فخري ، وبه افتخر على سائر الأنبياء والمرسلين) .
ومن أحب سعة الإطلاع فعليه بكتاب : (أنوار الحقيقة وأطوار الطريقة وأسرار الشريعة) ، من مؤلفات العارف الكامل السيد حيدر الأملي قدس الله سره ...
 
السؤال (2) : هل يجب سلوك طريق العرفان ؟

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نعم هو واجب - لكن ليس وجوباً شرعياً فقهياً بل وجوباً خاصياً - لوجوب تحصيل الكمال المقدور ، وكان شيخنا العارف الرباني الشيخ على الزنجاني رضي الله عنه يصرح بوجوبه ، والدليل على ذلك هو إن العبادة هي غاية خلق الخلق حيث قال الله عزّ وجلّ : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) ، والسؤال الجديد هو : ما هي غاية العبادة ؟ والجواب : أن اليقين والمعرفة هي غاية العبادة حيث قال الله عزّ وجلّ : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) ، والمعنى من مجموع هاتين الآيتين المباركتين هي : ما خلق الله عزّ وجلّ الخلق إلا من أجل العبادة وما هدف العبادة إلا اليقين والمعرفة .
لا يقال : إن قوله عزّ وجلّ : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) ، بمعنى : (واعبد ربك إلى أن يأتيك الموت) ، كما عليه مشهور المفسرين شيعةً وسنةً ، فتكون الآية القرآنية المباركة تدل على وجوب الاستمرار بالعبادة وعدم قطعها إلى الموت وبذلك هي أجنبية عن المقام .
فإنه يقال : هذا التفسير مصدره ما نقل عن عبد الله بن العباس ولم ينقل له لا عين ولا أثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولا عن الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم ، أضف إلى أنه خلاف ظاهر الآية القرآنية المباركة ولكن الحق - والله العالم - أن معنى الآية القرآنية المباركة هو هكذا : (وأعبد ربك كي يأتيك اليقين) ، حيث نحن نفسر (حتى) هنا بالعلية لا بالغائية ، ونفسر اليقين بمعناه الواضح وهو المقام المعرفي الشامخ لا بالموت الذي لا شاهد عليه أبداً .
والخلاصة : خلق الله الخلق ليعبدوه فالعبادة غاية الخلق ، والعبادة طريق لغاية أسمى وهي اليقين والمعرفة والتوحيد ، فأمرنا الله عزّ وجلّ بالعبادة لنتيقن ولنعرف الأشياء ونراها على ما هي عليه ، وهذا هو التوحيد .
وقد أعطيت عدة أدلة على وجوب هذا الطريق في كتابي : (الذهاب إلى الله) ، وأما اليقين فقد أفردتُ له كتاباً آخر أسميته : (اليقين أساس التوحيد) ... والله ولي التوفيق ...
 
جواب الأسئلة التي طرحها الأخ (عبد الله الركابي) وهي أربعة :
(1) كيف يكون العرفان هو التوحيد مع أنه ليس من مختصات المسلمين فقد عرفت الأمم الأخرى العرفان ، وفي المسيحية هناك ايضاً عرفان ؟
(2) قال فضيلتكم : (العرفان طريق الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم) ، فلماذا لا نجد العرفان في كلامهم صلوات الله عليهم لا تصريحاً ولا تلميحاً ؟
(3) قول امير المؤمنين (عليه السلام) : (أول الدين معرفته) الخ ، كيف يدل على العرفان ؟
(4) فيما يرتبط بالسؤال الثالث أعلاه ، قبل القرن الثامن الهجري ألم يكن الشيعة يعرفون (أول الدين معرفته) ؟ ففي ذلك القرن ظهر أول العرفانيين الشيعة وهو السيد حيدر الاملي ؟

الجواب :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1) نعم العرفان هو التوحيد الخالص الذي لا يشوبه أدنى مرتبة من مراتب الشرك ، ونحن ندعي إن العرفان بهذا المعنى هو روح الإسلام ذلك الدين الذي بعث الله عزّ وجلّ به آدم (ع) ونوح (ع) وإبراهيم (ع) وموسى (ع) وعيسى (ع) وختم النبوة بمحمد (ص) ، فجميع الأنبياء (ع) يدعون إلى الإسلام الدين الواحد من الرب الواحد ، وأما التسميات الحادثة فهي من الفضول وليست من الأصل في شيء ، فالإسلام هو دين التوحيد وهو العرفان الحقيقي ، وما هو موجود في الأديان السابقة (المحرفة) هو ليس من التوحيد في شيء وليس من العرفان في شيء ، كما أن بعض علماء المسلمين يدعون العرفان وهم ليسوا من العرفان في شيء أو لا يعتقدون بوجود العرفان ، فهذه مشكلة عامة قديمة حديثة ...
(2) دعوى بأن العرفان غير موجود في كلمات الأنبياء (ع) وأهل البيت (ع) ، دعوى باطلة جملة وتفصيلاً ، وهي ناتجة من قلة الإطلاع أو من عدم التدبر في كثير من الآيات القرآنية المباركة والروايات الشريفة ، فمن قرأ القرآن الكريم ، ونهج البلاغة ، والصحيفة السجادية ، وعشرات الروايات الشريفة ، يجد الذوق العرفاني يفوح منها بلا كلام ، أخي العزيز (عبد الله الركابي) هل قرأت قوله عزّ وجلّ : (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، هل قرأت قول أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة يصف السالك إلى الله عزّ وجلّ بقوله : (أَحْيَا عَقْلَهُ وَ أَمَاتَ نَفْسَهُ حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ وَ لَطُفَ غَلِيظُهُ وَ بَرَقَ لَهُ لاَمِعٌ كَثِيرُ اَلْبَرْقِ فَأَبَانَ لَهُ اَلطَّرِيقَ وَ سَلَكَ بِهِ اَلسَّبِيلَ وَ تَدَافَعَتْهُ اَلْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ اَلسَّلاَمَةِ وَ دَارِ اَلْإِقَامَةِ وَ ثَبَتَتْ رِجْلاَهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ اَلْأَمْنِ وَ اَلرَّاحَةِ بِمَا اِسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وَ أَرْضَى رَبَّهُ) ، هل قرأت قول الإمام زين العابدين (ع) في الدعاء السادس من الصحيفة السجادية حيث قال : (أصبحنا وأصبحت الأشياء كلها بجملتها لك ، سماؤها وأرضها وما بثثت في كل واحد منهما ، ساكنه ومتحركه ومقيمه وشاخصه وما علا في الهواء وما كن تحت الثرى ، أصبحنا في قبضتك يحوينا ملكك وسلطانك وتضمنا مشيتك ونتصرف عن أمرك ونتقلب في تدبيرك ، ليس لنا من الأمر إلا ما قضيت ولا من الخير إلا ما أعطيت) ، هل قرأت قول الإمام الرضا (ع) في صحيحة يونس بن عبد الرحمن حيث قال : (الإيمان فوق الإسلام بدرجة ، والتقوى فوق الإيمان بدرجة ، واليقين فوق التقوى بدرجة ، ولم يقسم بين العباد شيءٌ أقل من اليقين) ، فها أدركت ما هو (اليقين) الذي جعله الإمام الرضا (ع) فوق الإسلام والإيمان والتقوى ؟؟؟ والشواهد كثيرة جداً أوردتها في كتابي (الذهاب إلى الله) ...
(3) قول أمير المؤمنين (ع) : (أول الدين معرفته) بمعنى إن أساس الدين معرفة الله عزّ وجلّ وتوحيد الله عزّ وجلّ ، والسؤال المطروح اليوم على الجميع دون إستثناء ، ماذا تعرفون عن الله عزّ وجلّ ؟ لا شيء ! المجتمع مملوء بكلِّ شيء ولكنه فارغ من المعرفة والتوحيد وهذه حقيقة يجب أن لا تنكر ...
(4) ودعوى إن أول العارفين الشيعة هو (السيد حيدر الآملي) فهذه دعوى غريبة عجيبة ، لأن أول العارفين في تأريخ الإسلام هو الرسول الأعظم (ص) وسيد العارفين هو أمير المؤمنين (ع) والأئمة من ولده (ع) وتلامذتهم كلهم عرفاء كسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وأويس القرني وميثم التمار وقنبر ومالك الأشتر وحجر بن عدي وكميل بن زياد وحبيب بن مظاهر والربيع بن خيثم ورشيد الهجري و ... و ... و ... الخ ويمكنك مراجعة كتاب (مجالس المؤمنين) للقاضي الشهيد السيد نور الله المرعشي التستري رحمه الله ، حيث ذكر عرفاء الشيعة من صدر الإسلام ...



أجوبة الشيخ أسامة بلال النجفي
 
السؤال (1) : ما هو العرفان ؟ وهل هو علم أم لا ؟

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
العرفان في واقع الأمر هو (التوحيد) ، ولا أقصد من التوحيد معرفة الله عزّ وجلّ من حيث الأدلة النقلية والعقلية الموجب للاعتقاد بوحدانية الله عزّ وجلّ وأحديته ، كلا لأن هذا هو التوحيد التكليفي الموجب للإسلام والمحقق للإيمان ، والحال إن التوحيد العرفاني هو توحيد يقيني حقيقي باطني ، هذه هي حقيقة العرفان ليس منامات ولا مكاشفات كما يتصوره البعض أو يحاول أن يصوره للآخرين ، العرفان ذهابٌ وهجرةٌ إلى الله عزّ وجلّ ، العرفان حركة البدن في إطار الشريعة ، وحركة القلب في إطار الطريقة ، وحركة الروح في إطار الحقيقة ، العرفان هو الإحساس بوجود الله عزّ وجلّ وأنه قريبٌ مجيبٌ وأنه بكلِّ شيء محيط ، وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن ، العرفان هو التوجه إلى الله عزّ وجلّ وحده والتعامل معه وحده دون سواه ، العرفان طريق الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم ، والأولياء الصالحين عليهم السلام ، العرفان أن تتلبس بالشريعة فتعرف ما وراءها لأنك إنسانٌ تستحق أن تعرف أكثر عن حقائق هذا الوجود ، والله عزّ وجلّ يقول : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) ، وبناءً على هذا كله تبين إن العرفان سلوك وليس علماً ، كما لا يمكننا أن نقول بأن الإسلام علمٌ ، لأنه سلوك ، كذلك لا يمكننا أن نقول بأن العرفا علمٌ لأنه سلوك ، ومن أطلق عليه مصطلح العلم لم يقصد المعنى الحقيقي ، إذاَ العرفان حالة يجب على كلِّ إنسان أن يعيشها ولا يجوز له أن يهملها لأنها الجزء الحقيقي الوحيد من حياته ، والجزء الأهم من وجوده ، وهذه الحالة كلما عاش الإنسان في أجواءها انكشف له أن بعدها حالة أخرى فيستمر في مسيرته هذه ونهضته الروحية من أجل اكتشاف الجنبة الغيبية للوجود ومنه يتطلع على حقائق التوحيد ، نعم العرفان هو التوحيد الخالص من حيث التعامل الحقيقي مع الوجود بواقعيته لا بحسب ما نظنه نحن أو نتوهمه ، وقد روي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال : (أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه) ، وهذه المسيرة لا تتم إلا بآلية محددة وهي الشريعة والالتزام بظاهرها وحدودها ومن ثم يكون المعين والموفق هو المقصود وهو الله عز وجل ، قال الله عزّ وجلّ : (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) ، نعم لقد خلق الله عزّ وجلّ الإنسان في أحسن تقويم وهو تقويم الروح التي هي من أمر الله عزّ وجلّ ، فكان الإنسان كله غيب وكله تجرد وكله طهارة وبعبارة أوضح : كان الإنسان إنموذجاً ربانياً ، ثم رده الله عزّ وجلّ حسب التنزلات إلى أسفل سافلين أي إلى عالم الطبيعة والمادة وبذلك احتجبت روحه وجنبته الغيبة احتجبت ببدنه وماديته وحياته ، وبعبارة أوضح : احتجب الإنسان عن ربه عزّ وجلّ ، والواجب على الإنسان - وجوباً عقلياً فطرياً ضرورياً - أن يسعى لرفع ذلك الحجاب ليلتحق بأصله وليعلم علم اليقين بأنه من روح الله عزّ وجلّ ، لذلك استثنت الآية القرآنية المباركة الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي الذين لهم عقيدة صادقة وعمل صالح - جمعوا بين الشريعة والطريقة والحقيقة - فلهم آجر غير ممنون ، أيها الإنسان لا تنخدع ولا تغتر ولا تظن أن الله عزّ وجلّ خلقك لتأكل وتشرب وتنام وتتكاثر وتعمل في صناعة أو تجارة أو حرفة أو مهنة ، (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) ، أن الإله الحكيم عزّ وجلّ لا يفعل هذا ، أن هناك هدفاً سامياً خلقُت من أجله فابحث عنه تسعد ، وهذه الحياة الدنيا وهذا عمرك القصير لهو الفرصة الأخيرة ... والله ولي التوفيق ...

إجابة الشيخ أسامة بلال النجفي
 
عن الإمام الصادق عليه السلام : (القلب حرم الله فلا تسكن حرم الله غير الله) بحار الأنوار ج 67 ص 25
 
13781975_911013725695027_7551994444662712276_n.jpg
 
10170695_314578632029735_786591559981326805_n.jpg


قال رسول الله (ص): (القلب ثلاثة أنواع: قلب مشغول بالدنيا، وقلب مشغول بالعقبى، وقلب مشغول بالمولى، أما القلب المشغول بالدنيا له الشدة والبلاء، وأما القلب المشغول بالعقبى فله الدرجات العلى، وأما القلب المشغول بالمولى فله الدنيا والعقبى والمولى).
(إن للنفس ثلاث حالات هي: النفس المطمئنة والنفس اللوامة، والنفس الأمّارة بالسوء، وهذه الحالات مركزها القلب، حيث أن القلب هو الفؤاد الذي يجمع كل القوى المعنوية منها: الإحساس والشعور والفهم والوعي وجميع الانفعالات العاطفية، ولكن الله تعالى خلق العقل جوهرة التطافية في القلب، حتى يكون الانبساط الذاتي مفعماً بالرحمة والتسامح بقوله تعالى: (أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).
فيكون القلب المشغول بالدنيا في مقام النفس الإمارة تحت مسمى النفس، وهو القلب اللاهي بأباطيل الدنيا وشهواتها باستيلاء النفس الأمارة عليه، فتجعله مركزا للهوى والمعاصي وتقطع كل علاقة له بالله فيصبح ذلك القلب ميتاً وإن كان صاحبه حياً وذلك "ميت الأحياء".
أما القلب المشغول بالعقبى فهو في مقام النفس اللوامة تحت مسمى العقل، وهو القلب الذي يعقل ما يفعل وينزع ما بقى به من شوائب ورذائل، وهو عمق النزاع بين القلب المشغول بالدنيا والقلب المشغول بالمولى.
وأما القلب المشغول بالمولى، فهو في مقام النفس المطمئنة تحت مسمى الروح، وهو القلب المطمئن الذي يسكن بتوحيد الله وذكره، فإذا استولت النفس المطمئنة على القلب أشاعت فيه معالم الهداية والدين والحكمة واليقين فيزهو مصباح الهدى فيه ويضئ نور الحق في جنبه، ويتعلق بالمحل الأعلى، وتلك هي حياة القلب، وهو ما يسمى بالإيمان الحقيقي، والذي يتجلى بالعشق لله وحده، لا لأحد سواه، ولا طمعاً في جنته، فالعاشق لا يصل لمرحلة العشق إلا بعد تخطيه مرحلة الحب، والحب هو المعرفة بالله، وليس كل من عرف الله وصل لعشقه وهام في عشقه وتيتم، ولذا فتفسير القلب العاشق هو ما قال الله تعالى فيه: (إنما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليه آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون)، والمقصود بهذا الوجل العشق، ولذلك عندما يذكر اسم المعشوق أمام العاشق تصيبه هزة بدون إرادته، كما هو الحاصل مع العشاق، كمجنون ليلى الذي إذا ذكر اسم ليلى بمحضره يهيم في عالمه العشقي وينسى نفسه، بينما نحن بسماع اسمه تعالى لا نحس بأي تغير في وجودنا، ولهذه العلة فإننا لم نصل الى مرحلة العشق والهيام والتيم)...
 
قال تعالى : (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)
الإنسان موجود ثلاثي الأبعاد من حيث توفره على النفس والعقل والروح، وللإنسان في كل طور من أطواره الثلاثة معضلة عليه حلها، وهذا ما يتضح من خلال التالي:
أولاً:
معضلة النفس: والمسماة بالنفس الأمارة بالسوء، تتحدد بشكل دقيق في الشهوة والغضب، ولا سبيل للجم وضبط النفس في هذا الطور وهذه الرتبة إلا بضبط غضبها وشهوتها والتحكم فيهما بحسب موازين العقل والدين، وسيطرتهما يعني عجز الإنسان عن الإرتقاء إلى رتبة العقل والنفس اللوامة
وفي ذلك يقول الإمام علي (ع): (لا ينبغي أن يعدّ عاقلاً من يغلبه الغضب والشهوة) ويقول: (غير منتفع بالحكمة عقل مغلول بالغضب والشهوة)
ثانياً:
معضلة العقل: والمسمى بالنفس اللوامة، فإنها تتحدد بشكل دقيق في ضبط قوة الوهم والتحكم فيها، وذلك عبر تثبيت مهارة التركيز على الحاضر، وإطفاء جذوتي (الحزن) و (الخوف) المتقدتين في النفس بحكم التعود على عادة (التفكير في الماضي المتأتى منه الحزن)، و (التفكير في المستقبل المتأتى منه الخوف، وبنفي الإثنين ينتفي الحزن والخوف)
فيرقى الإنسان إلى رتبة الولاية الإلهية الكاملة حيث يكون (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، وهذه هي رتبة الروح، والمسماة بالنفس المطمئنة، والمخاطبة بخطاب الحق سبحانه : (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)
وإذا ما دخل الإنسان رتبة النفس المطمئنة فذاك معنى وحقيقة دخوله الجنة حيث لا خوف ولا حزن، إذ لا ماضي ولا مستقبل، فهي لحظة الخلود الأبدي والسلام السرمدي بانتفاء طرفي الزمان الوهميين، ولذلك يخاطب أهل الجنة بخطاب الحضور واليوم والآن في قول الجليل جل جلاله: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون)
ثالثاً:
معضلة الرّوح: والمسماة بالنفس المطمئنة تختزل في نزولها وتنزلها عن مقامها الرفيع الذي جعلت فيه، وآفة الروح في هذه المرحلة تتمثل في الجنوح بالنفس للخروج من حد العبودية، ولو بأدنى ميل للاعتداد بالنفس أو الإزدراء بها. وهذا معنى قول الأمير (ع): "والعدل وقوامه في الاعتدال"
ومعناه أن لا يخرج بالأشياء أو الفضائل عن حدها فتنقلب إلى ضدها، فتصير الحكمة بالإفراط أو التفريط جربزة أو بلاهة، وتصير العفة خمولا أو سماجة، وتصير القوة ضعفا أو عنفا ..
والخروج عن مقام النفس المطمئنة أو الروح يكون بالخروج عن أي حد من حدود التسليم والرضا، وهو ما يُطلب الثبات عليه بعد استحصاله بقول الإمام (ع) في آخر فقرة من زيارة أمين الله: (اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك...)

11569_180578842096382_705109543_n.jpg
 
عودة
أعلى أسفل