قال تعالى : (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)
الإنسان موجود ثلاثي الأبعاد من حيث توفره على النفس والعقل والروح، وللإنسان في كل طور من أطواره الثلاثة معضلة عليه حلها، وهذا ما يتضح من خلال التالي:
أولاً:
معضلة النفس: والمسماة بالنفس الأمارة بالسوء، تتحدد بشكل دقيق في الشهوة والغضب، ولا سبيل للجم وضبط النفس في هذا الطور وهذه الرتبة إلا بضبط غضبها وشهوتها والتحكم فيهما بحسب موازين العقل والدين، وسيطرتهما يعني عجز الإنسان عن الإرتقاء إلى رتبة العقل والنفس اللوامة
وفي ذلك يقول الإمام علي (ع): (لا ينبغي أن يعدّ عاقلاً من يغلبه الغضب والشهوة) ويقول: (غير منتفع بالحكمة عقل مغلول بالغضب والشهوة)
ثانياً:
معضلة العقل: والمسمى بالنفس اللوامة، فإنها تتحدد بشكل دقيق في ضبط قوة الوهم والتحكم فيها، وذلك عبر تثبيت مهارة التركيز على الحاضر، وإطفاء جذوتي (الحزن) و (الخوف) المتقدتين في النفس بحكم التعود على عادة (التفكير في الماضي المتأتى منه الحزن)، و (التفكير في المستقبل المتأتى منه الخوف، وبنفي الإثنين ينتفي الحزن والخوف)
فيرقى الإنسان إلى رتبة الولاية الإلهية الكاملة حيث يكون (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، وهذه هي رتبة الروح، والمسماة بالنفس المطمئنة، والمخاطبة بخطاب الحق سبحانه : (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)
وإذا ما دخل الإنسان رتبة النفس المطمئنة فذاك معنى وحقيقة دخوله الجنة حيث لا خوف ولا حزن، إذ لا ماضي ولا مستقبل، فهي لحظة الخلود الأبدي والسلام السرمدي بانتفاء طرفي الزمان الوهميين، ولذلك يخاطب أهل الجنة بخطاب الحضور واليوم والآن في قول الجليل جل جلاله: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون)
ثالثاً:
معضلة الرّوح: والمسماة بالنفس المطمئنة تختزل في نزولها وتنزلها عن مقامها الرفيع الذي جعلت فيه، وآفة الروح في هذه المرحلة تتمثل في الجنوح بالنفس للخروج من حد العبودية، ولو بأدنى ميل للاعتداد بالنفس أو الإزدراء بها. وهذا معنى قول الأمير (ع): "والعدل وقوامه في الاعتدال"
ومعناه أن لا يخرج بالأشياء أو الفضائل عن حدها فتنقلب إلى ضدها، فتصير الحكمة بالإفراط أو التفريط جربزة أو بلاهة، وتصير العفة خمولا أو سماجة، وتصير القوة ضعفا أو عنفا ..
والخروج عن مقام النفس المطمئنة أو الروح يكون بالخروج عن أي حد من حدود التسليم والرضا، وهو ما يُطلب الثبات عليه بعد استحصاله بقول الإمام (ع) في آخر فقرة من زيارة أمين الله: (اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك...)