النص أدناه أنقله من كتاب مراتب السير والسلوك إلى الله ( من الخلق إلى الحق )
للمؤلف سماحة المرجع الديني السيد كمال الحيدري دام ظله الشريف
يلخص فيها الأسفار الأربعة في الطريق إلى الله تعالى
خلاصة الأسفار الأربعة
إن مسيرة الإنسان تمر بمرحلتين محوريتين.
الأولى: ما اصطلُح عليها بقوس النزول التي لم يكن الإنسان فيها مكلّفاً حيث المرور نزولاً عبر مجموعة عوالم عُلوية ابتداءً من العالم الربوبي ((اللاهوت)) ومروراً بعالم العقول ((الجبروت)) ثم عالم المثال ((الملكوت)) وانتهاء بعالم المادة ((الملك)), وعرفنا أنّ تلك العوالم لم يكن الإنسان فيها مكلّفاً, ومن هنا خلت تلك الرحلة من عالم الغيب إلى عالم الشهادة من المراتب التكاملية.
الثانية: وهي ما اصطلح عليها بقوس الصعود والرجوع من عالم المادة إلى تلك العوالم التي جاء منها, وتمتاز هذه الرحلة بتمتع الإنسان بإرادة واختيار وتكاليف.
وقد عرفت أن الرحلة الاختيارية تمر بأربعة أسفار هي:
السفر الأول: من الخلق إلى الحق
في هذا السفر يغادر الإنسان عالم المادة والطبيعة عاقداً العزم على الهجرة إلى الله تعالى ((وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ )) ( النساء: 100) إنها رحلة الخلاص والانعتاق من بيت الدنيا والأنانية والشهوات إلى عالم الحق والاندكاك فيه فيكون وليّاً, وعندئد تحصل اليقظة من عالم النوم والسبات, والإبصار من عالم العمى, والالتفات من عالم الغفلة, والتذكر من عالم النسيان, إنا رحلة المتناهي إلى اللامتناهي, رحلة الخلاص من ذلك الليل الذي أطبق بسواده المدلهمّ وغشي الأنام بظلامه الحالك (( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)) (الليل: 1 ) إلى عالم النور والظهور العلوي واللقاء والتجلّي ((وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى)) (الليل: 2) وهذه هي رحلة العود الخالد من أرض الغربة إلى الوطن الأصلي, وبهذه الرحلة يحصل الموت الاختياري ((يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ)) وهي الموت الذي أشار إليه الرسول الأكرم (ص) وندب إليه بقوله: موتوا قبل أن تموتوا ( بحار الأنوار, 59/72) فطوبى لمن أمات نفسه وله حُسن مآب.
وعليه فالآية الكريمة عكس لنا بُعداً آخر ونوعاً آخر من الهجرة, وفي ذلك يقول السيد الخميني رحمه الله: ((فبعد أن يغادر السالك إلى الله بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة من بيت النفس ولم يصطحب معه في هذا الخروج العُلقة الدنيوية والتعيّنات ويتحقق له السفر إلى الله سبحانه يتجلّى له الحق المتعالي قبل كل شيء على قلبه المقدس بالألوهية ومقام ظهور الأسماء والصفات .. )) (الأربعون حديثاً, 564)
السفر الثاني: من الحق إلى الحق بالحق
وهو السفر الذي لا نهاية له في عالم الأسماء والصفات الإلهية حيث التحقق بها فيكون المسافر فيها مظهراً لها, وهذا هو معنى التحقق فيها والتعرف بها وتتم فيه ولايته. إن في هذا السفر اللامتناهي ترسم حدود السفر فيه بقدر ما يحمله المسافر من متاع: آهٍ من قلة الزاد وطول الطريق وبُعد السفر (نهج البلاغة, - نسخة المعجم المفهرس- 156 , رقم الحكمة: 77), وما يتسع له إناؤه ((أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ))(الرعد: 17), وفي ضوء ذلك تتحدد مراتب السالكين من أنبياء ومُرسلين وأوصياء وأولياء وصدّيقين وغير أولئك من الصالحين ((ااُنْظُرْ كَيْف فَضَّلْنَا بَعْضهمْ عَلَى بَعْض)) (الإسراء: 21), واتضح لنا من مجموع الأبحاث السابقة أنّ في هذا السفر الثاني يحصل المحو التامّ والفناء الثاني - فناء الصفات والأفعال - والذي أسميناه بمقام الخفي بعد ما كان في مقام السّر الذي عرفت أنّه مقام فناء الذات.
وهذا السفر هو محور الكمالات الذي يغترف منه العارف ويعود إليه متى ما اقتضت الحاجة إلى ذلك بعد انتقاله إلى السفر الثالث أو الرابع.
السفر الثالث: من الحق إلى الخلق بالحق
في هذا السفر المعنوي الثالث يحصل للعارف حظّ من النبوة بمعناها اللغوي وهو الإنباء والإخبار عما تحقّق به في سفره الثاني. وهذا العارف المتحقق ما لم يكن معصوماً فإنّ عليه إقامة البرهان والحجّة على كلّ نقل وكشف ودعوى - فيما إذا كان في مقام إيصال المعارف إلى الآخرين وهو مقام الإثبات - أو يُساعدهم في الوصول إلى عالم الكشف والشهود ليُعاينوا الحقائق بأنفسهم إن أمكنهم ذلك وإلاّ عليهم متابعة الموافقة من القرآن والستة الشريفة مِن قِبل من أراد التصديق بما نقل إليه. بهذا يتضح لنا مقدار مايعطيه هذا السفر من دافعية وتحفيز للعقل نحو التحقيق وإقامة البرهان فيثير فيهم دفائن العقول ويدعوهم للوقوف على شواهد التنزيل وبيانات التفسير والتأويل. بعبارة أخرى: إن هذا السفر هو محطة رئيسية نحو إعمال العقل والفكر والتزوّد من مختلف العلوم والمعارف الإلهية من فلسفة وعلم وكلام وأخلاق وتفسير وحديث ليكون من كوشت على بيّنة من أمره إثباتاً ويكون من عُرضت عليه الحقائق على بيّنة من أمره أيضاً.
السفر الرابع: من الخلق إلى الخلق بالحق
في هذا السفر فقط تحصل النبوّة التشريعية للأنبياء بالمعنى الاصطلاحي لا اللغوي فحسب, ولذا يتعيّن على كلّ نبي مرسل أن يكون قد قطع وطوى هذا السفر, وعرفت معنى طيّ الأنبياء من غير أولي العزم عليهم السلام والأوصياء لهذا السفر وكيفية انضوائهم تحت لواء الشريعة الحاكمة في أزمانهم, وهكذا بالنسبة لسائر العرفاء الآخرين من غير أهل الغصمة ممّن تمكّنوا من طيّ هذا السفر. من الواضع أن الكلام في وصول غير المعصومين إنّما هو مأخوذ على نحو القضيّة الكبروية, أي كلّ من طوى هذا السفر فهو منضو تحت لواء الشريعة المحمّدية, ووظيفته الربّانية هي إيصال المعارف الإلهيّة إلى الآخرين بشرط إقامة الدليل عليها فيُساهم في تحرير النفوس من أهوائها وتطهير القلوب من أدرانها, فيكون لكل واحدٍ منهم أسوة بالرسول الأكرم صل الله عليه وآله والذي كان على حد تعبير أمير المؤمنين عليه السلام طبيباً دوّراً بطبّه (نهج البلاغة - نسخة اللمعجم المفهرس:ص47, الخطبة:108). وقد عرفت أنّ التفاضل الحاصل في مراتب العرفاء مطلقاً مرجعه إلى ما توفّر عليه العارف في السفر الثاني, ولكن هذا لا يعني عدم الحصول على كمالات جديدة في نفس السفر الرابع, فإنّ الكثير من المنازل والمراتب متوقف على ما سيقدمه العارف في عالم الشهادة والطبيعة مما يعني أن مراتب العرفاء في السفر الثالث والرابع وإن كان مرجعها الأول إلى ما تحققوا به في السفر الثاني إلاّ أن ذلك لا يعني عدم تتميم تلك الكمالات بما سيتوفر عليه في سفره الثالث والرابع. وعليه فإن محصّل السفر الثاني هو التزود والتحقق بالمعارف الإلهية ومحصّل السفر الرابع بالنسبة للعرفاء الواصلين هو أداء وظائفهم الشرعية وأعمالهم التي أمروا بها والتي تتوقف عليها جملة من المراتب والمنازل, عن الرسول الأكرم (ص) وهو يقول للإمام الحسين (ع): إن لك في في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة. (مدينة المعاجز: للسيد هاشم البحراني: ج3 ص487- الطبعة الأولى, 1413 هـ مؤسسسة المعارف الإسلامية . قم).